الجزائر
قنابل‮ ‬حقيقية‮ ‬تجاور‮ ‬العائلات

محطّات‮ ‬البنزين‮ ‬ترعب‮ ‬السكان‮ ‬

الشروق أونلاين
  • 9324
  • 6

يعيش سكان العاصمة حالة من القلق والرعب عقب انفجار مهول بمؤسسة “نفطال” بالخروبة أسفر عن وفاة 4 عمال وخسائر مادية مست الشاحنتين، ما جعل الخوف يتسلل إلى قلوب المواطنين خاصة وأنهم محاطون بالخطر في كل مكان، فمحطات البنزين أو كما وصفوها بالخطر النائم أو القنبلة الموقوتة‮ ‬تترصدهم‮ ‬وقادرة‮ ‬على‮ ‬نسف‮ ‬مستقبلهم‮ ‬عند‮ ‬أول‮ ‬هفوة‮ ‬يرتكبها‮ ‬الآخرون‮. ‬

بدأت محطات البنزين المتواجدة أسفل العمارات والتي تتوسط الأحياء السكنية تثير مخاوف المواطنين المقيمين بالقرب منها، حيث أصبحوا أكثر وعياً بخطر الموت المحدق بهم وباتوا يشعرون بالخطر الدائم واللاأمن، فالمحطات المنتشرة كالفطريات في الأحياء حسين داي، الأبيار، حيدرة، تيلملي وغيرها من أحياء العاصمة، تم إنشاؤها دون مراعاة النسيج العمراني والكثافة السكانية، حولت حياة المواطنين لمواجهة يومية مع خطر مجهول مترقب كالانفجارات والحرائق دون إمدادهم بمعلومات عن طرق مجابهتها.

 وإذا كان المواطنون قد تعودوا على هذه المحطات وباتت أمرا مألوفا، إلا أن الحريق المهول الذي شب بمؤسسة “نفطال” بالخروبة جدد مخاوفهم التي تبددت لفترة، وأعادت هاجس الموت الذي ظل جاثما على صدورهم لسنوات طويلة خاصة وأن العمارة الواقعة فوق محطات البنزين غير مزوّدة‮  ‬بجدران‮ ‬مانعة‮ ‬لانتشار‮ ‬اللهب‮ ‬ولا‮ ‬حتى‮ ‬قارورات‮ ‬الإطفاء‮ ‬الخاصة‮ ‬بالبنزين‮ ‬أيضا‮.  ‬

يروي لنا مواطن يقيم في عمارة فوق محطة البنزين في حسين داي، فيقول: “أعيش في هذه العمارة منذ أكثر من ثلاثين عاما ومحطة البنزين هذه موجودة قبل ولادتي بسنوات، أنها تعود للحقبة الاستعمارية وتعوّدنا عليها وعلى رائحة البنزين المنبعثة منها، حتى الازدحام الشديد وتعطل‮ ‬حركة‮ ‬السير‮ ‬باتا‮ ‬مألوفين‮ ‬لديّ،‮ ‬يمكنك‮ ‬أن‮ ‬تتخيلي‮ ‬كيف‮ ‬تعيشين‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬الموت‮ ‬فابسط‮ ‬خطأ‮ ‬كرمْي‮ ‬سيجارة‮ ‬مشتعلة‮ ‬سينهي‮ ‬حياة‮ ‬عشرات‮ ‬العائلات‮ ‬المقيمة‮ ‬داخل‮ ‬العمارة‮ ‬وقبالتها‮”.‬

أما إحدى السيدات فاعتبرت وجود محطة البنزين أسفل عمارة وبالقرب من مدرسة ابتدائية حكما بالإعدام مع وقف التنفيذ، تتحدث: “انفجار محطة البنزين سيقضي على حياتنا جميعا، نحن هنا محرومون من أبسط حقوقنا، نستنشق رائحة البنزين صباح مساء حتى أن أبناءنا يشتكون من أمراض عديدة كالحساسية وضيق التنفس، والربو.. كل يوم عندما أشاهد أبنائي يلعبون وأتطلع من النافذة تقابلني محطة البنزين أشعر بالخوف، أحس أنني سأفقد منزلي وأبنائي دفعة واحدة.. أصبح الأمر يشكل هاجسا مخيفا بالنسبة لي، وقد ازدادت مخاوفي حتى أنه لم يعد بإمكاني النوم بعد حريق‮ ‬الخروبة‮ ‬منذ‮ ‬أيام‮”.‬

ورغم المخاوف المتزايدة عند المواطنين، إلا أنهم لم يتلقوا أي تطمينات من المسؤولين فالعبارة الوحيدة التي يصطدمون بها هو أن خوفهم غير مبرّر، رغم أن معظم هذه المحطات تعود  للحقبة الاستعمارية ولا تحتوي على نظام أمني متطور أو جدران عازلة ضد الحرائق. يصرح “علاء” ابن حي الأبيار قائلاً: “مؤخرا لاحظت أن بعض المواطنين الذين يقصدون محطة البنزين لتعبئة سياراتهم لا يتوقفون عن التدخين على الرغم من وجود لافتة كبيرة تحظر ذلك، والأدهى من هذا أن العمال لا يتحدثون إليهم ولا يطلبون منهم إطفاءها، ولما تكلمت مع صاحب المحطة لم يُبد‮ ‬اهتماما‮ ‬بكلامي،‮ ‬هدّدته‮ ‬باتخاذ‮ ‬إجراءات‮ ‬ضده‮ ‬فرد‮ ‬بأنه‮ ‬ليس‮ ‬بإمكاني‮ ‬فعل‮ ‬شيء‮”.   ‬

وحول الموضوع أوضح الأستاذ عبد الكريم شلغوم رئيس نادي المخاطر الكبرى، أن 90 بالمائة من محطات البنزين المتواجدة في النسيج العمراني يعود تاريخ إنشائها إلى الفترة الاستعمارية، أي قبل 1962، فهي قنابل لقِدمها ولموقعها وسط الأحياء السكنية، فهذه المحطات في خلال الاستعمار تم إنشاؤُها بعد دراسة، غير أنه بعد الاستقلال تم توسيع النسيج العمراني بالقرب منها دون أدنى مراعاة للخطر الشديد الذي قد تسببه. ويواصل الأستاذ بوشلاغم حديثه أنها مثل قنبلة ذرية صغيرة، قادرة على نسف كل ما يحيط بها في رمشة عين، لذا يتوجب تزويدها بجدران عازلة ثم العمل على غلقها وإخراجها إلى مناطق غير مأهولة في ظل غياب الحلول الوقائية، وقد سبق لهم وأن نادوا لذلك خلال مؤتمر عُقد قبل 12 عاماً حول المخاطر الموجودة في العاصمة لكنهم لم يجدوا آذانا صاغية.

في حين ذكر بوجملال مصطفى، رئيس فيدرالية محطات البنزين، أن هذه المحطات بالفعل خطر دائم غير أن مسيريها والعاملين فيها ملزمون بأخذ احتياطاتهم التي تضمن سلامتهم وسلامة السكان كنظام كشف الحرائق، والقارورات الخاصة لإطفاء حرائق البنزين، فكل محطة مجبرة على التزوّد بعتاد خاص لمجابهة أدنى حريق محتمل، وهناك عقوبات صارمة في حال تقاعسهم عن التصرّف فيها، مستطردا أن محطات البنزين ليست هي الخطر الوحيد، بل السيارات القديمة التي تتردد عليها هي الخطر في حد ذاته، فهناك سيارات قديمة خزاناتها متهرئة يتسرب منها البنزين وعود ثقاب كفيل بإضرام حريق يأتي على الحي بأكمله، مضيفا أن أصحاب المحطات عبر 87 محطة الموجودة بالعاصمة معظمها يعود إلى الفترة الاستعمارية، هم في الغالب من كبار السن ملزمون باتخاذ الاحتياطات وتدابير السلامة اللازمة التي تجبرهم عليها مؤسسة نفطال كل ستة أشهر، في حين يظل‮ ‬حل‮ ‬نقلها‮ ‬إلى‮ ‬خارج‮ ‬العاصمة‮ ‬مستحيل‮ ‬التطبيق‮ ‬على‮ ‬أرض‮ ‬الواقع‮.  ‬

مقالات ذات صلة