محمد السادس يفضّل قضاء عطلته بفرنسا على غرق رعاياه في أسفي
في أعقاب فيضانات فالنسيا نهاية 2024، اختار ملك إسبانيا أن يكون في قلب المشهد: زار المتضررين، نزل إلى الوحل رفقة زوجته، استمع مباشرة لشهادات الناس، وحوّل حضوره إلى رسالة رمزية مفادها أن الدولة، في لحظات الشدة، يجب أن تكون حيث يكون مواطنوها.
على الضفة الأخرى من المتوسط، وبينما كانت مدينة آسفي المغربية تلملم جراحها بعد فيضانات أودت بحياة أكثر من 37 شخصًا وخلفت عشرات الجرحى وخسائر مادية جسيمة، بدا المشهد معاكسًا تمامًا: ملك المغرب واصل قضاء عطلته في باريس، في صورة أثارت موجة غضب وتساؤلات حادة حول معنى المسؤولية السياسية والرمزية في لحظات الكوارث.
هذه المقارنة لم تكن لتُستحضر لولا الفارق الصارخ في السلوك، الذي تعمّق أكثر حين وُضعت الأرقام على الطاولة: ميزانية القصر الملكي في المغرب تُقدّر بنحو 276 مليون دولار، مقابل 53 مليون دولار فقط لميزانية القصر الملكي الإسباني. مفارقة ثقيلة في دلالتها، لا سيما حين تُقارن بسياق بلد إفريقي يعاني هشاشة البنية التحتية، وبلد أوروبي يُفترض أن إمكاناته أكبر، لكنه يُظهر تواضعًا مؤسسيًا وحضورًا ميدانيًا أعلى في أوقات الأزمات، بحسب تدوينة للباحث في جامعة اشبيلية محمد بشير لحسن.
كارثة “غير عرضية”
في هذا السياق، أعلنت مجموعة من الهيئات الحقوقية والمدنية والسياسية والنقابية المغربية عن تأسيس “لجنة التضامن مع ضحايا فيضانات آسفي”، معتبرة أن ما وقع ليس قضاءً وقدرًا ولا حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لتراكم سنوات من الإهمال والتهميش وسوء تدبير البنية التحتية.
البيان التأسيسي للجنة شدد على غياب سياسات عمومية تضع سلامة المواطنين وحقهم في الحياة في صلب الأولويات، منتقدًا توجيه المال العام نحو مشاريع “غير ذات أولوية اجتماعية”، بدل الاستثمار في شبكات الصرف الصحي وحماية السكان من مخاطر باتت متكررة.
وطالبت اللجنة بإعلان آسفي “منطقة منكوبة”، وبتعويض فوري وشامل للمتضررين، وإعادة إيواء المنكوبين، وتأهيل البنيات التحتية، إلى جانب فتح تحقيق شفاف يفضي إلى ترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية والسياسية، مع القطع مع منطق “الاستعراض” على حساب الحق في الحياة والكرامة.
شهادات من قلب الفاجعة
على الأرض، تكشف شهادات السكان التي نقلتها جريدة “الصحيفة”، حجم الصدمة. “خلال دقائق ارتفع منسوب المياه بشكل لم نشهده من قبل”، يقول محمد، تاجر خمسيني في المدينة القديمة. “فجأة صار الماء فوق الركب، ثم فوق الخصر… لم نعد نعرف إلى أين نهرب، خسرنا بضاعتنا وكل شيء”.
عبد الرزاق، شاهد عيان آخر، يتحدث عن “أناس لقوا حتفهم أمام أعيننا”، فيما يؤكد شباب شاركوا في الإنقاذ أن التدخل الرسمي كان غائبًا في الساعات الأولى، وأن من تحركوا فعليًا هم أبناء المدينة، دخلوا المياه بلا تجهيزات، بدافع إنساني صرف.
“أنقذنا من استطعنا، لكن بعضهم اختفى أمامنا”، يقول أحد الشباب، في عبارة تختصر التناقض المؤلم بين بطولة فردية لافتة وعجز جماعي رسمي.
بين مشهد الوحل في فالنسيا، وغياب الرمز الأعلى في آسفي، لا يبدو الجدل مجرد مقارنة عاطفية، بل سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا حول طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. هل يقتصر دور الدولة على بيانات التعزية وفتح التحقيقات بعد فوات الأوان؟ أم أن الحضور الميداني، والإنصات المباشر، وتحمل المسؤولية الرمزية، جزء لا يتجزأ من الحكم؟
آسفي اليوم ليست فقط مدينة منكوبة تبحث عن جبر ضرر، بل مدينة تطرح سؤالًا ثقيلًا: هل كانت هذه الفاجعة حتمية، أم نتيجة تراكم سنوات من الإهمال؟، خاصة أن الاحتجاجات الشبانية لحركة “جيل زاد”، قد حملت مطالب بضرورة الاهتمام بالمطالب الاجتماعية، للمواطنين وتحسني ظروفهم المعيشية، في ظل توجه المغرب الذي سيحتضن كأس أمم إفريقيا بعد أيام إلى عملية “تجميل” للمدن والأماكن التي تشهد الفعاليات لا غير.
والأهم: هل تكفي لجان التحقيق والتضامن لطي الصفحة، أم أن ما حدث يستدعي مراجعة عميقة لأولويات السلطة، حيث يكون المواطن- في لحظة الخطر- في قلب الاهتمام، لا على هامش العطلات؟