محنة المسلمين مع الطواعين
شهر رمضان هذه السنة، لن يكون كبقية السنوات، وقد نكون قد عشنا تجربة فريدة من نوعها والبعض لم يعشها على الإطلاق. رمضان من دون تراويح ولا صلوات جماعة، ولا عمرة رمضان، والشك في الحج أيضا. هي أحداثٌ لا تقع إلا مرة كل قرن تقريبا. آخر جائحة كانت ما بين 1918 و1919، أي قبل 100 سنة خلال الحرب العالمية الأولى، راح ضحيتها نحو 65 مليون شخص في أوروبا والمنطقة بفعل “الأنفلونزا الاسبانية”. هنا، لا نتحدَّث عن الأوبئة المحلية، مثل التيفوس، والكوليرا والتيفوئيد والسل وبقية الأوبئة (les épidémies)، بل نتحدث عن جائحةٍ (épandémie) عابرةٍ للقارات، وقد سُمِّيت في العربية بـ”الجائحة”، من كلمة الاجتياح، لأنها تأتي كالسيل العرم وتأخذ في طريقها كل ما صادفته. يقابله في وباء الحيوانات عبارة “الجارفة”، التي تجرف كل ما وجدت في طريقها.
جائحة كوفيد 19، كما لكل جائحة وجارفة دورة حياة تنتهي بانتهاء فعالية الفيروس عندما لا يجد من ينتقل عبره من إنسان أو حيوان. ولعلَّ هذا ما ذهب إليه كثيرٌ من علماء الإسلام قديما عندما درسوا الطاعون (الطاعون هو كل وباءٍ فيروسي عندهم). وانتشاره وحدَّدوا عمر بقائه بثلاثة أشهر إلى خمسة، ثم يتلاشى الفيروس بعدها تلقائيا. لهذا كان العزل هو الحلّ من أجل التقليل من الضرر والضحايا.
في مقال للدكتور محمد راتب النابلسي، يشير إلى أول طاعون في الإسلام وهو طاعون عمواس حسب ابن قتيبة وكان في الشام زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه توفي أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، ثم طاعون الجارف زمن ابن الزبير، ثم طاعون عُدي بن أرطأة سنة 100 للهجرة. ثم طاعون عَرَاب سنة 127 هـ (عراب اسم أول رجل مصاب ونقل العدوى)، ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة 131هـ. هذا الأخير يشير المصدر إلى أنه بدأ في شعبان وبقي شهر رمضان وأقلع في شوَّال، أي أنه لم يدم أكثر من 03 أشهر.
هذا التذكير التاريخي، ليس من باب التقديم، بقدر ما هو من باب التذكير ونحن مقبلون على شهر الصيام، شهر الاستغفار من كل الذنوب والعودة إلى الله والعودة إلى الذات الإنسانية وإلى محبَّة الخير والتضامن والتآخي والتآزر والتكاتف.
الحجر الصحي، الذي علينا أن نتحمَّله لأجل أنفسنا ولكن أيضا لأجل غيرنا بدءا من عائلاتنا الأقربين ومن نحبّ. رمضان هو شهر تعلُّم التحمُّل والشدّة، لهذا، فسلوكنا هذه السنة في رمضان سيتغير حتما، ويجب أن يتغير، لأنه بدون تغيير سلوكنا الجماعي والاجتماعي فالهلاك مصيرٌ محتوم.
رمضان هذه السنة، مناسبة لإعادة النظر في كثير من الممارسات التي صارت العادة فيها تتغلب على العبادة.
اجتماعيا، سنكون مضطرين للبقاء أطول في البيت بعد الفطور، ما يعني أن الضَّجر والملل والرغبة في الخروج “للتكيف” وشمّ الهواء ورشف القهوة مع الأصدقاء، وفتح البطون أمام شهية الأكل والغلق التي ستكبر عملا بقانون “كل ممنوع مرغوب” سيكون دافعا نحو المغامرة، وهذا هو ما علينا تجنُّبه بالذات؛ فأيُّ خروج ليلي أو خرق للحجر، سيعرِّضنا جميعا إلى موجةٍ أشدّ من هذا الوباء الذي لا شفاء منه ولا دواء إلى حد الآن.. وهذا حسب المختصين كما بات معروفا لدى الجميع.. لنطبِّق الحجر في رمضان كما ينبغي، بعدها أكيد سنحتفل بالعيد كما ينبغي بعد أن نكون قد اجتزنا محليا، 3 أشهر من هذه المحنة.