الجزائر
التنمر والإدمان التكنولوجي

مخاطر تهدد التلاميذ وتنمي الرغبة في هجران المدارس 

وهيبة.س
  • 905
  • 0

مع بداية كل موسم دراسي جديد، يجد الكثير من التلاميذ أنفسهم بين التحديات والآمال، فلا يقتصر الاستعداد على الجوانب المادية والتنظيمية فقط، بل يشمل أيضا جانبا مهما يغفله الكثير، وهو الاستعداد الاجتماعي والنفسي، لأن  الدخول المدرسي لا يعني فقط العودة إلى مقاعد الدراسة، بل هو عودة إلى العلاقات، إلى التفاعل، وإلى الحياة الجماعية التي تتطلب توازنا نفسيا واجتماعيا.

وتكمن أهمية الاستعداد الاجتماعي للدخول المدرسي، في تهيئة التلميذ نفسيا للاندماج مجددا مع الزملاء والأساتذة، والتقليل من مشاعر القلق والانطواء، خاصة لدى التلاميذ الجدد أو المنتقلين إلى مؤسسات جديدة، وهو ما يعزز القدرة على التكيف مع التغييرات التي قد تطرأ على البيئة الدراسية أو الاجتماعية.

وثمة ظواهر جديدة انتشرت في المجتمع الجزائري، وبدأت تبرز في السنوات الأخيرة مع كل دخول اجتماعي، جعلت بعض التلاميذ لا يرغبون في العودة إلى الدراسة، بل أن بعضهم يصاب مع بداية كل سنة دراسة، بشيء من الرهاب، فالتنمر والإدمان على الهواتف الذكية، والألعاب الالكترونية، ومنصات التواصل، عوائق خفية أمام العودة المدرسية.

عائلات تلاميذ تلجأ مع الدخول المدرسي لشبكة “ندى”

وفي هذا السياق، كشفت الأستاذة خيرات حميدة، الأمينة العامة الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل “ندي”، عن حالات لتلاميذ رفضوا العودة إلى الدراسة مع بداية الدخول المدرسي الماضي، بعد تعرضهم للتنمر والعنف داخل المؤسسات التعليمية، وقالت إن التواصل الإيجابي مع الأبناء حول توقعاتهم وقلقهم بشأن العودة إلى المدرسة، وتشجيعهم على استعادة نمط الحياة المدرسية تدريجيا، يتطلب تدريبهم وتعويدهم على النوم المبكر، وتقليل التعلق بالشاشات، مع تنظيم لقاءات أو زيارات مع زملائهم قبل بداية العام لتجديد العلاقات.

مختصون ينصحون بتكاتف الجهود لتهيئة التلاميذ للدخول الاجتماعي الجديد

وأكدت حميدة خيرات، إن هناك قصصا صعبة ومؤثرة، وقفت عليها شبكة “ندى”، السنة الماضية، وكان بعض التلاميذ قد رفضوا تماما، العودة إلى المدرسية، وبسبب مشاكل بسيطة كان يمكن للمسؤولين في المؤسسات التربوية أو الأولياء حلها بكل سهولة، ولكن مواقفهم العنيدة، تحط من معنويات بعض الأطفال في بداية حياتهم.

وقال إن أحد الأطفال من منطقة حمر العين بتيبازة، رفض السنة الماضية رفضا قاطعا العودة للمقاعد الدراسة، لأنه طفل يتيم يبلغ من العمر 8 سنوات، تكفلت بتربيته سيدة متقدمة في السن، وكان فوق حاجبه شعر كثيف ابيض، فأصبح محل تنمر وسخرية، ونعت بـ”الوحش”.

وأوضحت الأستاذة حميدة خيرات، أن الغريب في قصة هذا الطفل، أن والد أحد المتنمرين عليه، صفعه داخل المدرسة، واشتكاه للمدير على أساس انه الظالم، وتحامل عليه هذا الأخير، ووصل الأمر لتدخل شبكة “ندى”، وتم إخبار السلطات المحلية بذلك، وبعد كل هذه الضجة، وإصرار الطفل الضحية على مقاطعة الدراسة، تم معالجة الموضوع، وتوجيهه إلى مدرسة أخرى لكي يسلم من حالة التنمر.

وحالة أخرى لتلميذة من العاصمة، شدتها الأستاذة من أذنيها بقوة، فدخلت في حالة صدمة وشعور بـ”الحقرة”، إلى درجة أنها رفضت أن تعود إلى الدراسة مع بداية الموسم الماضي، ولكن عائلتها اتصلت بشبكة “ندى”، اين تم معالجة القضية، واستدعاء بعض المسؤولين في المدرسة لإطلاعهم على خطورة بعض التصرفات التي تنفر التلاميذ من المدرسة.

مخاطر العوائق الخفية أمام العودة المدرسية تتفاقم

وكشفت الأمينة العامة لشبكة “ندى”، الأستاذة حميدة خيرات، أن بعض الحالات التي تقف دون الرغبة في العودة إلى المدرسة، والتي لجأت عائلات بعض التلاميذ لحلول المختصين، وإلى شبكة “ندى”، تتعلق بالإدمان على العالم الافتراضي، ومنصات التواصل الاجتماعي، ففي زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، باتت حسبها، تلعب هذه الأجهزة دورا مزدوجا، فهي أداة للتعلم أحيانا، لكنها كثيرا ما تتحول إلى مصدر إدمان وانعزال اجتماعي خلال العطلة الصيفية.

وأوضحت أن هناك تلاميذ انجذبوا لساعات طويلة نحو العالم الافتراضي، وتوفر لهم محتوى ترفيهي سريع ومكثف جعل العودة إلى نمط الحياة في المدرسة أي “الواقع”، صعبا، فمنصات مثل “اليوتيوب” و”الفايسبوك”، والتيك توك”، تجعل تواجدهم في أقسام الدراسة أمرا مملا.

وأشارت إلى أن حسب الحالات التي استقبلتها شبكة “ندى”، لبعض التلاميذ الذين وجدوا في المدرسة مكانا غير مرغوب فيه، تشكل لديهم فقدان التوازن، بسبب التعود على النوم المتأخر والاستيقاظ في وقت متأخر، بعد التعود على الاستخدام المفرط للهاتف، وهو ما أدى بهم إلى اضطرابات في نمط الحياة وضعف في الاستعداد الذهني للدراسة، وتسبب لهم في الانعزال الاجتماعي الواقعي رغم التواصل “الافتراضي”، وهذا حسب الأستاذة خيرات، ما يعانيه الكثير من التلاميذ والذين لديهم ضعف في مهارات التفاعل الحقيقي، ما جعلهم يتهيبون من العودة إلى الأقسام ومواجهة الزملاء والمعلمين.

وقالت الأمينة العامة للشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل، إن بعض حالات التلاميذ الذين رفضوا العودة للدراسة يعيشون تطلعات غير واقعية، جراء تعرض هؤلاء لمحتوى يظهر حياة مثالية أو رفاهية زائفة، جعلتهم يشعرون بالإحباط من واقعهم المدرسي، وهو ما قلل من حماسهم للعودة، مؤكدا أن على الأسرة أن تضع حدودا واضحة لاستخدام الهاتف قبل بداية السنة الدراسية بأيام.

ونصحت بفترة “فطام رقمي تدريجي”، تقلل فيها ساعات الاستخدام يوما خاصة مع اقتراب الدخول المدرسي، مشيرة إلى أن على المدرسة أيضا توعية التلاميذ بمخاطر الإدمان الرقمي وتأثيراته على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي.

لا يجب أن يكون الدخول المدرسي عبءا نفسيا

وحول ذات الموضوع، أكد الدكتور مسعود بن حليمة، خبير علم النفس العيادي، أن هناك ادوارا متكاملة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، والعائلات، لجعل التلاميذ أكثر ترحيبا وحبا للعودة على المدرسة، على أن تنظم حسبه، أيام استقبال وتوجيه للتلاميذ الجدد لتعزيز اندماجهم، مع توفير أنشطة ترفيهية واجتماعية في بداية السنة لكسر الحاجز النفسي، علاوة إلى إشراك الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين لدعم التلاميذ الذين يواجهون صعوبات. وقال إن الدخول المدرسي لا يجب أن يكون عبءا نفسيا على التلاميذ أو أوليائهم، فبالاستعداد الجيد، وخاصة من الناحية الاجتماعية، يمكن تحويل هذه المرحلة إلى فرصة للتجديد، وبناء علاقات إيجابية، والانطلاق بسنة دراسية ناجحة.

ونبه إلى وجود عدة أسباب نفسية واجتماعية وسلوكية قد تجعل التلاميذ يفقدون الرغبة في العودة إلى الدراسة بعد عطلة طويلة أو توقف مؤقت، كالقلق والتوتر والخوف من ضغط الدراسة أو القلق من الفشل أو عدم تحقيق التوقعات، والإجهاد المزمن، الذي غالبا، حسبه، ما يصيب من يعانون من ضغط دراسي، فبعد العطلة، يشعرون بأن طاقتهم لم تسترجع بما فيه الكفاية.

وقال بن حليمة، إن تغير نمط الحياة خلال العطلة، كالنوم المتأخر، الكسل، فوضى في المواعيد، تجعل الجسم والعقل يتعودان على “الراحة”، ما يصعب العودة للروتين، لاسيما إذا دخل الإدمان على التكنولوجيا، أي الإدمان على الهاتف أو الألعاب التي تجعل الواقع يبدو أقل متعة، كما أن التنمر والخلافات والعلاقات العامة، والشعور بعدم الانتماء أو التقدير، وضعف الحوافز وغياب الهدف، وعدم وجود رؤية واضحة أو حافز قوي للنجاح، حالات نفسية لا تشجع على العودة للمدرسة.

ويرى المتحدث أن هناك ضغوطا مادية يتأثر بها بعض التلاميذ كغلاء الأدوات أو تكاليف الدراسة، والشعور بالعجز أو الضغط داخل الأسرة.

مقالات ذات صلة