الرأي

مدارس الغرْب تَستغِيث!

من التصريحات التي حذّر بها الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي قبل سنة أوروبا، قوله: “التهديد الذي يواجه أوروبا وفرنسا هو أولاً وقبل كل شيء تهديد ديموغرافي: في غضون 30 سنة، سينخفض عدد سكان أوروبا من 550 إلى 480 مليون نسمة، بينما سيرتفع عدد سكان إفريقيا من 1.2 إلى 2.4 مليار نسمة … أزمة الهجرة لم تبدأ بعد! والأسوأ قادم، مع هجرة لم تعد قابلة للاندماج لأسباب ثقافية ودينية واقتصادية … هناك خطر وجودي أمامنا … فإذا لم نكن قادرين على حماية حدودنا فلن نكون قادرين على حماية هويتنا.

تدفقات الهجرة ستصبح لا تُقاوَم. فعندما يشتعل الحريق عند الجار، سينتهي الأمر بأن يصل إليك”. وهكذا نلاحظ في أوروبا أن عدد السكان في تناقص مخيف، ومع ذلك فهم يواجهون أزمة حادة في نقص المدرّسين… فماذا سيكون عليه الحال عندما تصلهم موجات الهجرة الجارفة التي يتنبأ بها ساركوزي؟!

أرقام مرعبة
تشير تقديرات منظمة اليونسكو أن عدد المدرّسين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا الذي ينبغي توظيفه لتحقيق أهداف التعليم بحلول عام 2030 سيكون حوالي 4.8 مليون مدرّس للمراحل ما قبل الجامعة، علما أن العدد الإجمالي التقريبي الحالي في هذه البلدان يتراوح بين 10.4 و 11.6 مليون مدرّس. يشكل نقص المدرّسين في هذه المناطق تحديًا كبيرًا للأنظمة التعليمية لأن العجز يُقدر حسب بيانات اليونسكو الحديثة والتوقعات، بنحو 750 ألف مدرّس في نهاية هذا العقد… وهو رقم مخيف يعكس العجز في المناصب التي من المحتمل أن تظل شاغرة بسبب صعوبات التوظيف عام 2030، مما سيؤثر على جودة التعليم ويزيد من الفجوات التعليمية في العالم المتقدم.
تشير توقعات الاتحاد الأوروبي إلى أن العجز في الاتحاد سيصل إلى ما يناهز 250 ألف مدرّس عام 2030. على سبيل المثال، سيكون بين 40 ألف و 100 ألف مدرّس في ألمانيا، وبين 60 ألف و 80 ألف مدرّس في إيطاليا، وبين 20 و 50 ألف مدرّس في روسيا، وبين 20 و 30 ألف مدرّس في فرنسا. وستبلغ حاجة البرتغال نحو 30 ألف مدرّس، وكذلك الأمر في بريطانيا. أما السويد فعجزه سيبلغ 153 ألف مدرّس بحلول عام 2035. والأخطر هو ما سيكون عليه الحال في الولايات المتحدة حيث سيتراوح العجز بين 400 و 500 ألف مدرّس.
أما الأسباب فتختلف من بلد إلى آخر، نذكر منها ظروف العمل الصعبة للمعلم، والتقاعد الجماعي والمسبق، والرواتب المنخفضة، والعنف المدرسي، والشنآن الأيديولوجي، وعبء العمل الثقيل، وسلوك التلاميذ وصلته بالتحكم في القسم خلال التدريس، وانخفاض جاذبية المهنة. لكن السبب المشترك بين الدول الأوروبية له صلة بتصريحات ساركوزي: إنه شيخوخة المجتمع الأوروبي، ومعه سلك المعلمين حيث نجد الآن في بعض البلدان الأوروبية قرابة نصف المدرّسين تجاوز سنهم 50 سنة. وهذا الوضع يؤدي إلى الاستعانة بمدرّسين غير مؤهلين، وانخفاض الأداء التعليمي، وزيادة الفوارق بين التلاميذ، خاصة في المناطق الفقيرة، حسب البرنامج الدولي “بيزا” (PISA).
أما المواد التي تعاني من نقص المدرّسين فهي المواد العلمية واللغات. على سبيل المثال، أفادت إحصائيات نشرت قبل أيام أن رُبع الثانويات في إنكلترا سينطلق الفصل الدراسي الجديد فيها بدون أستاذ متخصص في مادة الفيزياء. وستكون الثانويات الواقعة في المناطق الأكثر فقرًا هي الأكثر تضررًا. وفي فرنسا تكشف الإحصائيات أن 55% من المتوسطات والثانويات ستُعاني من نقص أستاذ (واحد على الأقل) خلال السنة الدراسية 2025-2026، وهذا عكس ما أعلنت عنه الوزارة الوصيّة.

عيّنة عن حال بعض البلدان
دعنا نتعرف على حال بعض البلدان الأوروبية:
1. في فرنسا كانت هناك الكثير من التنبيهات والإشارات إلى تداعيات عدم تقدم الشباب لإجراء مسابقات التوظيف في التعليم كظاهرة بدت جليّة خلال السنوات الأخيرة. وكان لهذا الوضع عواقب وخيمة: مناصب شاغرة، وأقسام دراسية بدون مدرسين. وتؤكد الأرقام أن هذا المنحى يستفحل يوما بعد يوم. ومن بين الأصوات المنادية بالعمل على دراسة الموضوع بعمق الأمينة العامة للنقابة الوطنية للتعليم الثانوي (في فرنسا) التي عبرت عن أسفها قائلة: “لا يمكننا ألا نبالي بهذا النقص، ولا يجب أن نعتاد على حرمان التلاميذ من مدرسين لأسابيع أو أشهر، أو أن يصير الارتجال بديلا عن السياسة التربوية في محاولة لإخفاء هذا العجز”.
2. تعاني بريطانيا بشكل خاص من نقص حاد في مدرسي المواد العلمية (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء) واللغات، وفي المدرسين المتخصصين في التربية الخاصة. ومن ثمّ تكمن الصعوبات الرئيسية في زيادة حجم العمل للمدرسين الحاليين. كما يؤدي النقص إلى ضرورة زيادة اكتظاظ الأقسام، مما يسبب في إرهاق المدرّس ويفاقم أزمة الاستقالات. وقد لجأت بعض المدارس إلى تقليص المناهج أو إلغاء تقديم مواد معينة (مثل اللغات الأجنبية أو الموسيقى) لأنها لا تجد مدرسين مؤهلين. بينما وظفت مدارس أخرى مدرّسين غير مؤهلين فعيّنت خريجين لا يحملون الشهادات المطلوبة أو كلفتهم بتدريس مادة من غير اختصاصهم. وهذا يؤثر، بطبيعة الحال، على جودة التعليم. ومن جهة أخرى، أثّرت الإضرابات والاحتجاجات المتكررة التي شلت النظام التعليمي خلال السنوات الأخيرة -بسبب أزمة الأجور وظروف العمل- تأثيرا كبيرا نفّر الكثير من مهنة التعليم.
3. في ألمانيا، الأزمة ذات شقين: نقص حاد في عدد المدرسين، سيما في التخصصات العلمية والتقنية والمعلوماتية، مع تفاقم الوضع بسبب التقاعد الجماعي لجيل مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتتمثل الصعوبات الرئيسية في اكتظاظ الأقسام، وهذا يقلل من الاهتمام الفردي بالتلميذ ويعقّد مهمة المدرّس في السيطرة على القسم. كما أن هناك ظاهرة منتشرة تتمثل في إلغاء الحصص الدراسية (“أونترريشتساوسفال” “Unterrichtsausfall”) بسبب غياب المدرّس. في هذه الحالة، وهو ما يحدث يوميًا، تلغى الحصص جراء عدم وجود مدرس بديل. وأحيانًا يتم دمج الأقسام أو تقديم درس آخر للتلاميذ؛ وهو ما يؤثر على تحصيلهم العلمي. لكن حدة هذه الأزمة تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، مما يُفرز تفاوتًا في جودة التعليم بين المناطق في ألمانيا نفسها. وهذا ما يدفع أحيانا إلى تخفيض معايير التوظيف في بعض المناطق، ويتم تعيين مرشحين لا يزالون قيد التدريب لسد الثغرات.
4. تعرف السويد أزمة فريدة في أوروبا تتمثل في نقص واسع النطاق يمسّ عدد المدرسين جراء ارتفاع عدد التلاميذ المهاجرين الذين يحتاجون إلى دعم لغوي إضافي. وأدى الوضع إلى انخفاض كبير في مستوى التعليم. وما يثبت ذلك تدنّي نتائج التلاميذ السويديين في الاختبارات الدولية، مثل برنامج “بيزا”. وقد أثار هذا الوضع صدمة وقلقًا حول مستقبل البلاد. فمن انعكاساته تفاقم عدم المساواة بين مستويات التلاميذ: المدارس في المناطق المحرومة هي الأكثر معاناة في جذب المدرسين المؤهلين، وهو ما يعمق الفجوة التعليمية والاجتماعية. وإلى جانب ذلك تدهورت ظروف العمل في البلاد: أصبحت المدارس السويدية سيئة السمعة بسبب العنف والمشاكل السلوكية. ولذا صارت مهنة التعليم في البلاد أقل جاذبية، بل تدفع المدرّسين الحاليين إلى مغادرة المدرسة نهائيا.
5. في سويسرا الوضع أقل حدة بشكل عام من جيرانها، لكن الأزمة موجودة وتتركز في مناطق معينة -خاصة في كانتونات سويسرا الفرنسية- وفي مواد محددة، مثل الرياضيات والعلوم والمعلوماتية. وقد نجم عن ذلك تفاوت بين المناطق: بما أن النظام التعليمي ليس مركزيا، فحدة العجز تختلف بشكل كبير من كانتون إلى آخر (مثلا، تُعدّ منطقتا جنيف وفود Vaud من المناطق الأكثر تضررا). وكما هو الحال في بلدان أخرى، يؤدي النقص في عدد المدرسين إلى زيادة الاكتظاظ في القسم. كما تجد سويسرا صعوبة في استبدال المدرسين الغائبين، فالمدارس تسعى جاهدة لإيجاد بدائل من المؤهلين، وتضطر في كثير من الأحيان إلى الحلول الترقيعية مثل جيرانها.
تكشف أزمة نقص المدرّسين في الغرب أنّ حتى أكثر الأنظمة التعليمية تقدّما قد تنهار إن لم تُحسن التخطيط وتستثمر في المعلم. ولعلّ ما سمّاه ساركوزي ‘خطرًا وجوديًا’ من أمواج الهجرة الإفريقية لن يكون وبالاً بل سيكون طوْق نجاة يمدّ مدارس أوروبا بما عجزت عن توفيره من معلّمين. نحن في بلادنا بحاجة إلى النظر بعين فاحصة إلى هذه التجارب لنتجنّب تكرار الأخطاء نفسها. إن الاستثمار في المعلّم هو استثمار في المستقبل. لذا، فإن دروس الغرب اليوم هي إنذار مبكر لنا جميعًا.

مقالات ذات صلة