الرأي

مدرسة الأضحى

سلطان بركاني
  • 411
  • 0

كانت نعمة عظيمة أن أمدّ الله في أعمارنا حتّى عشنا ساعات ولحظات يوم الأضحى الأغرّ الذي يعود كلّ عام ليذكّرنا ويعلّمنا ويرجع بنا إلى فطرة الله التي فطر النّاس عليها، إلى الإسلام الصافي النقيّ الذي يعني الاستسلام التام والكامل لله والخضوع له جلّ في علاه، والتضحية بالغالي والنفيس للظّفر بعفوه ورضاه. يقول جلّ شأنه:((وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)).
خليل الرّحمن إبراهيم -عليه السّلام- ظلّ عقودا من عمره ينتظر الولد، وحين بلغ السادسة والثّمانين (86) جاءته البشرى بإسماعيل، ومرّت السّنوات وإسماعيل يكبر أمام عيني والده، ويملأ حياته سعادة وحبورا وبهجة وسرورا. بدأ يقترب من سنّ البلوغ، وكان غلاما بهيا وضيئا بارا طائعا. لكن ما أن ناهز الثالثة عشر (13) من عمره، حتى جاء الأمر لوالده بذبحه. لقد كان امتحانا عظيما وصفه القرآن الكريم بالبلاء المبين.. فماذا كان موقف إبراهيم، وماذا كان ردّ إسماعيل؟ أمّا إبراهيم فأذعن واستسلم وخضع لأمر الله؛ لم يعترض ولم يتردّد ولم يتلكّأ، وحينما حاول الشيطان أن يثني من عزمه، ويعزف على عاطفة الأبوّة عنده، ورام أن يستثير حنان أمّه هاجر المرأة الصّالحة؛ ثبت الثلاثة في البلاء المبين، واستسلموا لأمر الله وخضعوا له وأخزوا الشيطان ورجموه في المكان الذي يرمي فيه الحجيج الجمرات يوم النّحر وأيام التشريق.
يعود الأضحى كلّ عام ليذكّرنا بهذه القصّة العظيمة، ليس لنسرد وقائعها ونمضي، وإنّما لنستخلص منها الدّروس والعبر التي ننتفع بها في مسيرة حياتنا.
قصّة إبراهيم تعلّما أنّ من أراد ولدا صالحا كإسماعيل، فليكن صالحا على درب إبراهيم، ومن أراد ولدا يبرّ به عند كبره، فليبرّ هو بوالديه.. إبراهيم عليه السّلام، كان من قبل بارا بوالده آزر، على الرغم من أنّ والده كان مشركا محاربا لدين الله، فرزقه الله في آخر عمره ولدا بارا أعانه على الخضوع لأمر الله في أعظم امتحان.. وهكذا هي الدّنيا: حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى كما هو دائن.. إذا أردت زوجة صالحة فكن صالحا وغضّ بصرك عن محارم النّاس وعن عوراتهم.. وإذا أردت أبناء بررة طيّعين فبرّ قبل ذلك بوالديك.
تعلمنا قصّة إبراهيم أنّ البلاء والامتحان من لوازم هذه الدّنيا، وأنّ الله إذا أحبّ عبدا وأراد أن يرفع منزلته في الدنيا والآخرة، ابتلاه، ولكن من رحمة الله أنّ الفرج يكتب مع البلاء والجائزة تعدّ مع الامتحان.. إبراهيم -عليه السلام- ثبت في الامتحان العظيم والبلاء المبين فكانت الجائزة كبشا عظيما نزل من الجنّة، وذِكرا حسنا يكتب لإبراهيم إلى أن تقوم السّاعة، وفوق هذا وذاك صار خليلا للرّحمن، وأعظِم بها من منزلة.
تعلّمنا قصّة إبراهيم أنّ طريق الجنّة يمرّ عبر الاستسلام لله والخضوع لأمره والامتثال لشرعه، وأنّ أسرع طريق إلى الجنّة هو بناء أسرة مؤمنة يتعاون أفرادها على طاعة الله ويتواصون بالخضوع لأمر الله.. ولنا أن نتأمّل أنّ الكبش الذي فُدي به إسماعيل نزل من الجنّة، في رسالة واضحة بأن لا جزاء لمن يستسلم لله ويقدّم أمر الله على مراد نفسه وهواه إلا الجنّة.
تعلّمنا قصّة إبراهيم أنّ نجاح الدّنيا وفلاح الآخرة في مخالفة أمر الشّيطان وإخزائه ورجمه، واجتناب خطواته، فما كان إبراهيم -عليه السّلام- لينجح في الامتحان لولا أنّه تفطّن لوساوس الشّيطان من أوّل وهلة وأبصر خطواته من أوّل خطوة، فأخزاه ورماه وأبعده، فارتدّ الشّيطان خائبا وهو يرى الأسرة المؤمنة تنجح في الامتحان العظيم.
تعلّمنا قصّة إبراهيم أنّ أشرف غاية وأعظمها وأجلّها هي الوصول إلى عفو الله ورضوانه.. ووالله إنّ السعاة كلّ السعادة في هذه الدّنيا حين يحسّ العبد أنّ غاية أمانيه في هذه الدّنيا أن يعفو الله عنه ويعتق رقبته ويكتب له رضوانه، ويذكر اسمه في الملأ الأعلى، في ديوان من يدخلهم جنّته دار كرامته.. واللهُ تعالى إذا رضي عن عبده أسعده في الدّنيا والآخرة، وكفاه كلّ همّ وأعطاه كلّ حاجة فيها خير له.
قصّة إبراهيم تذكّرنا بواجب عظيم من واجباتنا تجاه ديننا وأمّتنا، واجب أن نضحّي بشيء ممّا نملك، من أموالنا وأوقاتنا وجهودنا، لخدمة ديننا والسعي لإعزازه والتمكين له في الأرض.. الله -جلّ وعلا- قادر على أن ينصر دينه في لمح البصر، ويمكّن له في الأرض ويسوق إليه أهل المشرق والمغرب، لكنّه كلّفنا بذلك امتحانا وتمحيصا: ((ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ))، وأمرنا بأن نقدّم أموالنا وأرواحنا لأجل التّمكين لدينه في الأرض.
نحن نرى إخواننا في أرض الإسراء كيف يضحّون بدنياهم وما حوت، لأجل دينهم وأمّتهم، وقبل ذلك طلبا لرضا ربّهم؛ يقدّمون أرواحهم وبيوتهم وأموالهم ويقدّمون أبناءهم وكلّ ما يملكون.. إنّهم أحقّ من يحتفل من هذه الأمّة بعيد الأضحى، حتّى ولو لم يجدوا في يوم النّحر أضاحي بتقرّبون بها إلى الله، فهم قد تقرّبوا إليه بكلّ ما يملكون، ولعلّ الكريم قد تقبّل منهم وأجزل مثوبتهم.
هذا ما ضحّى به أهل الشّام وقدّموه قربانا لربّهم، فبماذا نضحّي نحن الذين ننعمّ بالأمن والأمان، ولله الحمد؟ حزُن كثير منّا في أضحى هذا العام أنّهم لم يمكنهم شراء أضاحي للعيد، وحُقّ لهم أن يحزنوا. لكنّ التضحية بالأنعام في يوم النّحر سنّة، وهناك تضحية أخرى واجبة، هي أن نضحّي بأهوائنا وشهواتنا طلبا لرضا خالقنا ومولانا. أن نضحّي بترك كلّ ما حرّمه الله ويقول كلّ واحد منّا: وعزّتك يا ربّ ما تركته إلا لوجهك، يقول مثلا: وعزّتك يا ربّ ما تركت سماع الغناء إلا لك.. وعزّتك ما صبرت على الصلاة في وقتها كلّ يوم وفي كلّ فصل إلا طلبا لرضاك.. وعزّتك ما رفضت إعطاء الرشوة والربا إلا خوفا منك.. وعزّتك ما تركت بيع الدخان إلا لوجهك.. وتقول المؤمنة: وعزّتك يا ربّ ما تركت التبرّج والتزيّن إلا لك.. وعزّتك ما صبرت على الحجاب الشّرعيّ في الحرّ والقرّ، وتشبّثت به رغم الغربة والازدراء والاستهزاء إلا ابتغاء وجهك…
إبراهيم عليه السلام كان مستعدا لأن يضحّي بابنه، فما الذي نحن مستعدّون لنضحي به لأجل أن يرضى عنّا خالقنا، ولأجل أن يعزّ ديننا وتعزّ أمتنا؟ هل نضحّي ببعض ساعات نومنا؟ هل نقدّم شيئا من أموالنا؟ كم نخصص من أوقاتنا لديننا؟ إنّه لا نجاح لنا ولا فلاح في الدّنيا، ولا نجاة ولا فوز في الآخرة إن نحن عكفنا على أهوائنا وشهواتنا، وظلّ همّنا متعلقا بما نأكل وما نلبس وما نسكن وما نركب.

مقالات ذات صلة