الرأي

مدرستنا وصراعُ اللغات

بقلم: عيسى جرّادي
  • 491
  • 0

لا أعتقد أن مدرسة في العالم قد شهدت من التجاذب اللغوي الذي يرقى إلى مستوى “صراع لغوي” ما شهدته المدرسة الجزائرية، إذ لا يزال الوضع القائم منذ الاستقلال يحتفظ بأهم سماته القديمة وأعني: أي لغة ستحظى بالأولوية: العربية أم الفرنسية؟ وأي موقع سيتاح للإنجليزية باعتبارها اللغة الرائدة في ميدان العلم والتكنولوجيا؟
تقديري أن الإصلاحات التي أدخِلت على التعليم في المراحل الأولى للاستقلال لم تفلح في الإجابة عن هذه الأسئلة، كما لم تتمكّن “أمرية 1976” من كبح هذا الصراع أو حسمه نهائيا لفائدة اللغة العربية، رغم التطور الواضح في موقع هذه اللغة، ترافقه انتكاساتٌ باسم الإصلاح في أغلب الأحيان.
ما يعني بوضوح استمرار الوضع الموروث عن العهد الاستعماري إلى أمد غير معلوم، وأعني بذلك هيمنة اللغة الفرنسية، وإصرار القائمين على رعايتها على أن تظل اللغة السائدة في ميادين بعينها، في الإدارة والاقتصاد والتعليم الجامعي إلى حد ما.. ولن يتسنى هذا –في تصورهم- إلا إذا احتفظت هذه اللغة –التي يروِّج لها البعض باعتبارها غنيمة حرب- بموقعها المتقدِّم في المدرسة أساسا.
من هذا المنظور، صيغ الإشكال على مستوى أعمال اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية، لتصب نتيجته في صالح اللغة الفرنسية، نلمس ذلك خاصة في الاقتراح الاستعجالي الذي تقدّمت به اللجنة –التي هيمن عليها التيار التغريبي- والذي تضمّن إدراج اللغة الفرنسية في السنة الثانية ابتدائي، بدعوى (أن اكتساب اللغات عند الأطفال يجب أن يتم مبكرا، أي في بدايات تعليمهم) 1.

لكي يحصل التلميذ على إتقان جيد للغة الفرنسية، بوصفها لغة التعليم في السنة الأولى الجامعية، تجب مضاعفة الحجم الساعي الممنوح لهذه اللغة في الثانوي ثلاث مرات، وبالتالي مضاعفة عدد الأساتذة: وهذا اقتراح غير بيداغوجي لأنه يستلزم زيادة في الحجم الساعي الأسبوعي للتعليم، في حين أن الاتجاهات الحالية تميل إلى التقليص.

ولتشريح المخطط المُعَدِّ لهذا الغرض، والمموَّه أحيانا بمبررات لا تجد مصداقيتها في الواقع القائم، ولا في التوجهات العالمية التي تكرس الإنجليزية لغة عالمية أولى، سنعرض ما ورد في المشروع النهائي بشأن “إدراج اللغات الأجنبية في التعليم القاعدي الإجباري”، والذي سنكتشف من خلاله رغبة التيار المهيمن على اللجنة في أن تحظى الفرنسية بالأولوية، من دون أن تنازعها لغة أخرى ولو في المدى المتوسط.
ورد في وثيقة المشروع:
(في المرحلة الابتدائية:
إن تدريس اللغة الفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى، سيتم في السنة الثانية الابتدائية، مع زياد الحجم الساعي الممنوح لها طوال المسار الدراسي، أما اختيار السنة الثانية فمرده إلى:
– سهولة استيعاب الطفولة المبكر للغات الأجنبية.
– النزعات الدولية التي تدعو إلى إدراج وتعلم اللغات الأجنبية مبكرا بناء على قواعد موضوعية.
– إكساب التلاميذ آليات اللغة العربية بشكل جيد في غياب التعليم التحضيري.
– إن هذه النزعة نحو التدريس المبكر للغات الأجنبية موجودة في جل البلدان العربية مثل المغرب وتونس ولبنان والكويت والأردن…
أما تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية ثانية فسيشرع فيه في بداية السنة الأولى من الطور المتوسط للتعليم القاعدي الإجباري.
في التعليم الثانوي/ التقني ومن أجل تمفصله مع التعليم العالي، سيتم تدريس الرياضيات والعلوم الفيزيائية باللغة الأجنبية، فهذا الحل يعتبر:
– مطابقا للنزعة التي ظهرت في العديد من البلدان العربية خاصة في تونس والمغرب ولبنان والأردن والعربية السعودية ومصر، نظرا للحدود التي ظهرت في المحاولات الأولى في التعريب العام للمستويات العليا من التعليم.
– في متناول النظام، ومن ثم فهو أقل كلفة من ناحية تطبيقه اليوم، في انتظار أن تصبح اللغة الثانية أكثر إجرائية.
– الأكثر نجاعة بيداغوجيًّا والذي ينجم عنه تعلم يجمع بين الاستدلال والأداة اللغوية. إن اختيار الرياضيات، في المقام الأول، مردُّه إلى الطابع المعرفي الجمّ لهذه المادة كلغة أساس -الأكثر عالمية- لا تستدعي درجة عالية من الصياغة اللغوية. بالإضافة إلى هذا، فإن المراجع والمصادر التي يعتمدها أساتذة العلوم فرنسية (المقالات العلمية المختلفة والوثائق والمراجع الأخرى).
– الأصوب والأكثر مردودية علميا، لأن له مستتبعًا في المراحل العليا في الشعب العلمية والتقنية إذ لا تزال الفرنسية لغة التدريس.
– الأقل كلفة ماليا: لكي يحصل التلميذ على إتقان جيد للغة الفرنسية، بوصفها لغة التعليم في السنة الأولى الجامعية، تجب مضاعفة الحجم الساعي الممنوح لهذه اللغة في الثانوي ثلاث مرات، وبالتالي مضاعفة عدد الأساتذة: وهذا اقتراح غير بيداغوجي لأنه يستلزم زيادة في الحجم الساعي الأسبوعي للتعليم، في حين أن الاتجاهات الحالية تميل إلى التقليص.
ملاحظة: إن الاقتراح القاضي بتدريس المواد العلمية باللغة الأجنبية (الفرنسية) قد استثنى العلوم الطبيعية وهذا في إطار البحث عن التراضي بين الاقتراحين قبل أن يصاغ الاقتراح الثاني.
إن المواد التقنية في الثانوي يمكن تدريسها بالفرنسية كلما اقتضت الضرورة ذلك وسمحت الظروف، أي من حيث التقنيات الغالبة والتحولات التكنولوجية وامتداداها في التعليم العالي (المعلوماتية، الإلكترونك، الإلكتروميكانيك، الهندسة المدنية…).
– إن تدريس الرياضيات والفيزياء بالفرنسية في الثانوي يقتضي أن يتم في الطور المتوسط استئناس التلاميذ بهذه العلوم، على أن يتولى ذلك أساتذة الرياضيات والفيزياء، وسيتعلق الأمر بتعويد التلاميذ على الرموز العالمية التي ستُستخدم في كل التعليم القاعدي الإجباري وبالمصطلحات الخاصة بهذه العلوم).

في سياق الرفض الذي أبداه فريقٌ مناهض لهذا التوجه في اللجنة، تم عرض اقتراحات موازية (أتناولها في المقال القادم)، ترى عكس ما يتم الترويج له من أن الفرنسية هي الأنسب لمدرستنا، وكان هذا بمثابة رد ورفض لما ورد على لسان رئيس اللجنة نفسه (بن زاغو) في حوار مع جريدة وطنية، وأشار فيه –تأسيسا على معطى محيط الجزائر وموقعها الجغرافي والسياسي– إلى (أن اللغة الإنجليزية ليست هي اللغة التي تسمح لنا في الوقت الراهن بتحقيق ذلك –إشارة إلى نهل العلوم والتفتُّح على العالم- وإنما يمكن منحها مكانة أهمّ في المستقبل القريب. أما حاليًّا وما هو أسهل على أطفالنا هو التحكم في اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى، وهذا من فائدة أولادنا وبلدنا، وليست مسألة أيديولوجية، كما يقال، ولكن هي نتيجة حتمية لمحيطنا العامّ) 2.
ويضيف بن زاغو: (إذن كل العوامل الموضوعية تؤكد أن الفرنسية هي الأقربُ إلينا، وبإمكاننا التحكم فيها بسرعة. وهو ما يفرض علينا ضرورة إدراج الفرنسية في أقرب الآجال وفي أولى سنوات الابتدائي لأنه، حسب الاختصاصيين، فإن اكتساب اللغات عند الأطفال يجب أن يتم مبكرا، أي في بداية تعليمه)3.
عمليا، تم توجيه مشروع الإصلاح ليتسق في مجراه مع ما أريد له أن يكون، أي إعادة الاعتبار للفرنسية، ومحاولة استرداد مواقعها المفقودة، فهل أفلح التيار التغريبي في ذلك؟

مقالات ذات صلة