مدير وكالة فرنسا للتنمية يستفز الجزائر مجددا من الرباط
يبدي السياسيون الفرنسيون قدرا كبيرا من التحسّر على المنحى الذي أخذته العلاقات الجزائرية الفرنسية، ولكنهم لا يقدمون ما يساعد على استعادة هذه العلاقات هدوءها، بل على العكس من ذلك، يعمدون إلى تعميق الشرخ من خلال اتخاذ قرارات أقل ما يقال عنها أنها غير مسؤولة، من حيث كونها تدفع الطرف الجزائري إلى التشدد، وهو ما يحيل إلى تساؤل مشروع: هل تسعى باريس حقيقة إلى خفض التصعيد مع الجزائر؟
في موقف لم يكن مستغربا، خرج المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية، ريمي ريو، الخميس، من العاصمة المغربية الرباط، ليطلق تصريحات جديدة في صورة شتيمة لكل من يدعو إلى تهدئة التوترات بين العاصمتين، فقد أكد التزام الوكالة التي يديرها والتابعة للحكومة الفرنسية، وعزمها على الاستثمار في قطاع الموانئ والبنى التحتية بالأراضي الصحراوية المحتلة، وذلك رغم إدراكه بأن القضية الصحراوية كانت بمثابة شرارة الفتنة التي دمرت العلاقات الثنائية، في لحظة طيش من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ذات صائفة 2024.
ويدرك المسؤولون الفرنسيون أن تصريحات ريمي ريو، التي صدرت عنه بعد استقباله من قبل وزير خارجية النظام المغربي، ناصر بوريطة، ستزيد من حدة الأزمة وتقضي على أي أمل في التهدئة، ولذلك عمدت الوسائل الفرنسية على اختلافها، إلى عدم نقلها بما فيها وكالة الصحافة الفرنسية في تصرف غير معهود، ولكن من سوء حظ صناع القرار في باريس، أن الصحافة الدائرة في فلك النظام المغربي، سارعت متفاخرة إلى نقل تلك التصريحات بالصوت والصورة، لتفضح بذلك محاولة التستر التي بدت وكأنها ممنهجة وموجهة من رئيس تحرير واحد يوجد في مكان ما في باريس.
وفي الفيديو الذي تداولته الصحف والقنوات والمواقع الالكترونية المغربية بقوة، لم يضف مدير الوكالة الفرنسية للتنمية جديدا، بل قال إن ما جاء من أجله يندرج في إطار تنفيذ الالتزامات التي تم التعهد بها من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى المملكة المغربية في أكتوبر 2024، وهو بذلك يضع رغبة سيد قصر الإيليزي في تهدئة التوتر مع الجزائر على المحك، حيث لا يمكن أن تكون زيارة ريمي ريو، من محض إرادته الخاصة، ومن دون علم قصر الإيليزي.
وجاءت تصريحات مدير الوكالة الفرنسية للتنمية، بعد أيام قلائل من الحوار الذي أجراه السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتي، غير الموجود في الجزائر، مع إذاعة فرنسا الدولي “آر آف إي”، والذي عبر فيه عن حزنه لما وصلت إليه العلاقات الجزائرية الفرنسية، ومما قاله بهذا الخصوص، إن تثبيت العقوبة على الصحفي الرياضي الفرنسي، كريستوف غليز المدان في تهم تتعلق بدعم الإرهاب والإشادة به، وسن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، عقدا من مساعي التهدئة بين العاصمتين.
وعلى الرغم من إدراك المسؤولين الفرنسيين لمكمن الداء الذي ينخر العلاقات بين الجزائر وباريس، إلا أنهم على اختلافهم، يتحدثون عن مسائل هامشية في الأزمة ولا يتلمسون مكمن الجرح، من قبيل التركيز على ترحيل الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات طرد غير قانونية من التراب الفرنسي، وسجن متهم فرنسي بدعم الإرهاب والإشادة به في الجزائر، وكذا سن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، ولكنهم يتجاهلون مطالب الجزائر بتسليم المطلوبين القضائيين وعددهم بالعشرات، وهو المطلب الذي تؤطره اتفاقيات ثنائية، فضلا عن تصحيح الموقف الفرنسي من القضية الصحراوية، باعتباره قرارا غير ودي من قبل باريس تجاه الجزائر.
ويعتبر الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية، السبب الرئيس في تدمير العلاقات الثنائية، ومع ذلك يصر الفرنسيون على المضي في غيهم، غير مستفيدين من الكيفية التي لملم بها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، موقف بلاده من القضية الصحراوية، بحيث لم يتردد على لسانه ولو مرة واحدة منذ ربيع عام 2022، حديث عن السيادة المزعومة للنظام المغربي على الأراضي الصحراوية، رغم تدخله في أكثر من مناسبة من على منبر الأمم المتحدة.
أما الفرنسيون فقد فجروا وتفاخروا بخصومتهم للجزائر بخصوص هذه القضية أساسا، فقد عملوا المستحيل في أروقة الأمم المتحدة في شهر أكتوبر المنصرم، من أجل حشد الدعم للقرار الأممي 27 /97، حول الصحراء الغربية، بالشكل الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها حاملة القلم، وتمريره كما هو، أكثر من حرص أمريكا ذاتها، التي تنازلت مكرهة وعدلته حتى يجد طريقا للنجاة من الفيتو الصيني والروسي. فأي وجه يمكن للفرنسيين أن يواجهوا به الجزائريين وهم يطالبون بتهدئة العلاقات الثنائية؟