مدينةٌ تبكي عزيزًا!
مع دنوّ غروب شمس يوم السبت السابع والعشرين أفريل الماضي (2024م)، امتلأت وجرت أحداق مدينتنا التي ما تزال تتنعم بفرحة العيد بدموع حارقة بمجرد أن وصل أذانها صوت الناعي القادم من بعيد، ويا ليته لم يصل، حاملا إليها نبأ مفجعا. وارتجت جنباتها ارتجاج الصواعق في عنف وصخب بعد أن أقعدها الخبر الشؤم في ظلمة حالكة من الذهول والقلق والأسف والحزن. وبفطنتها الفائقة ورهافة أحاسيسها، أدركت حجم المصيبة وجسامة الخسارة.
أحدث نعي المنعي تفاعلًا سريعا وواسعًا على منصات التواصل الاجتماعي. وفي أقل من لمح البصر، امتلأت صفحات الفضاء الأزرق بأحاديث عن الرزية، وتنافس المدونون في التعليق والدعاء للفقيد، وتسابقوا في رثائه بأرق الكلمات وأحلاها؛ فقد أوجعهم فراقه المفاجئ، وتجاوز تأثيره شغاف جوارحهم واستقر في سويداء قلوبهم. وكانت الكلمات المقروءة كلها فخمة ومملوءة بحسرات الامتعاض والاغتياظ المعبرة، وكأن سحب العبارات الصادقة والناطقة بالمحبة لا تمطر إلا في اللحظات التي تخترق فيها الأفئدة الكيّسة بسهام الألم الحادة ونبال الحزن المفرط.
أما الفقيد الأعز فهو الطبيب الجراح زين الرجال الزّين غريّب (بتسكين حرف الغين وتشديد حرف الياء)، وهو من هو في دنيا مدينتنا، فهو صاحب جلائل المكارم التي تنبثق منها أعبق وأطهر الفيوضات الإنسانية النادرة. وهذا ما جعل صدى رحيله يتردد في كل أرجاء وزوايا المدينة كاملة، ومن أقصاها إلى أقصاها، وحمل عيونها على بكائه بكاء الأمهات المكلومات من بعد فراق أبنائهن فلذات أكبادهن. واستطاعت أن ترسم بعد أن تجلببت بالسواد صورة تعبيرية عن الوفاء لابنها الذي لم يقصّر في خدمة سكانها، والتقرب منهم بخواطر مبتلة بالحس الإنساني النبيل بلا تمييز أو مفاضلة، فلا فرق في قاموسه بين الغني والفقير، أو بين صاحب الجاه الرفيع ومحطوط القدر الوضيع. وأن يتقاطع معهم جميعا في دروب الحياة حين تحاصرهم العلل، وتهاجمهم الأمراض، وتضيق في أعينهم فرص الأمل. وكانوا كلما جاؤوه مثقلين بهمومهم ومستنجدين، لا يجدون بين يديه إلا التلبية والاستجابة في ودٍّ لا يُنسى، ونبل لا يُجحد، فمن هؤلاء الذين ينسون خادمهم الزين وسيّدهم الجميل؟.
يعجز حساب عدد المرضى الذين خلّصهم الفقيد من آلام العلل ومن مضاعفاتها، ويتعذر عدُّهم، فهم أكثر من المئات وربما يتجاوزون أضعاف الآلاف، فكيف لا يتألم مرضاه وذووهم لفراقه؟ وكيف لا يستحضرون صبره الطويل على علاج كل واحد منهم؟ وكيف يسقط من العين من لم يكن يتراجع عن مرافقتهم فردا فردا، وإسداء النصح إليهم في أدب حتى يكتب لهم البرء التام، ويتعافون ولو كانت العلة فتاكة ومعاندة في مكر ومقاومة في خبث؟
كانت مدينتنا وفية أشد الوفاء وأخلصه لعزيزها الذي سكنت قلبه قبل أن يسكنها منذ أكثر من أربعين سنة. ولو كان بقاؤه يقبل فدية لأذعنت صاغرة وملبّية لطالبها، وجمعت له العوض دينارا بعد دينار. ولو ركبه الطيش الأهوج وزاد، ورفع الطلب ما تأخرت ولا ترددت؛ لأنها ما تزال في أشد الحاجة وأمسها إلى خدماته، فهو من عملاتها الثمينة النادرة.
يعجز حساب عدد المرضى الذين خلّصهم الفقيد من آلام العلل ومن مضاعفاتها، ويتعذر عدُّهم، فهم أكثر من المئات وربما يتجاوزون أضعاف الآلاف، فكيف لا يتألم مرضاه وذووهم لفراقه؟ وكيف لا يستحضرون صبره الطويل على علاج كل واحد منهم؟ وكيف يسقط من العين من لم يكن يتراجع عن مرافقتهم فردا فردا، وإسداء النصح إليهم في أدب حتى يكتب لهم البرء التام، ويتعافون ولو كانت العلة فتاكة ومعاندة في مكر ومقاومة في خبث؟
في كل الحالات، يجد المريض الذي يقصد الطبيب الجرّاح الزّين غريّب في كلامه ومحاورته العلاجَ النفسي المريح الذي يعيد له الثقة وتطلعات الأمل قبل أن يباشر معه العلاج الجسدي. وبذلك يستحق لقب: “الحكيم”؛ لأن الحكيم أرقى درجة من الطبيب، فالحكيم هو من يجمع في كفاءة بين علاج انكسارات النفس المتعَبة ومداواة جراحات الجسم المنهك.
امتلك الحكيم الزّين غريّب أنامل أخلص من الذهب الخالص، وهي موهبة بارعة أمده الله بها. فما تكاد أن تلمس أصابعه جسد مريض متسلحة بمبضعه الرشيق حتى يتجاوب معها في هدوء وسلامة، فيشطف العلة، أو يستأصلها عن آخرها، ويقرن بين شفتي الجرح في مهارة. ومن ثمّ يشرع المصاب في التعافي شيئا فشيئا، ويسترد سلامته التي كانت مهدّدة.
نشأ طبيبنا الخلوق في بيئة ريفية متعلقة بالأرض بصفة متوارثة، ونما في وسط فلاحي يعيش من كدّ الأيدي ومن عرق الجبين، وحافظ على مزايا أبناء الفلاحين الذين يحسون دوما أنهم قريبون من الأرض حتى ولو ابتسمت لهم الحياة، وأغدقت عليهم من المناصب أنصبة ومن المكاسب أكداسا. وأضاف إلى حصيلة سجاياه الإنسانية الموروثة ذخائر منتقاة من بستان أخلاقة ما بوّأه مكانة عليا بين الناس، واستطاع أن يحافظ على القَسم الطبي الذي أقسمه يوم تخرّجه طبيبا متفوّقا، وأن يجعل من أغلب بنوده عقدا مبروما ومحفوظا مع مرضاه. وارتفع عن الزبونية المائلة إلى الربح المادي، وهي انتكاسة أخلاقية وقع في شباكها الكثيرون الذين لم يعد يهمّهم سوى جيب المريض وسخائه. وكان مشفقا على كل مريض وخاصة الفقراء، ولم يكن يجعل من صحّة مرضاه مشروعا استثماريا مريبا للتكديس المادي.
كان الحكيم الفقيد حريصا على مسايرة المستجدات في تخصصه حتى يكون ملمّا بالتقنيات المستحدَثة في الجراحة كعلم وكفنّ. وكنت كلما زرته إلا ووجدت على مكتبه كتابا جديدا أو مجلة صدرت حديثا ينشغل بمحتواها في أوقات فراغه بعد أن ينهي واجباته مع مرضاه.
عاش الحكيم الزّين غريّب ملتزما دينيا بلا تزمُّت أو انغلاق، ولم يكن يتأخر عن الجلوس في حلقات الذكر وتلاوة الحزب الراتب جماعيا في المسجد العتيق بالمدينة كلما وجد إلى ذلك سبيلا. ولما ارتحل إلى مسكنه الجديد الذي يقع مقابلا لمسجد الخليفة عثمان بن عفّان، ولا يفصلهما إلا شارع مزدوج، أمسى من روّاده المواظبين. وكان الناس يقابلونه بعد كل صلاة للمشورة الطبية أو لضبط مواعيد فحص معه، ولم يكن يبخل على أحد بالرد الإيجابي. ويشهد له أنّ يُمناه لم تكن تكف عن الإنفاق في السر قبل العلن. ولما أبّنه إمام المسجد الأخير الشيخ الفاضل علاّوة بن نية قبيل الصلاة على روحه الطاهرة، وصفه والتأثر باد على وجهه بقوله: (إنه كان إحدى حمَامات مسجدنا)، وألقى ببصره، وكأنه ينظر إلى المكان الذي ألف الجلوس فيه، وربما تذكّر صورته لما كان حيا شامخا.
في ساعة تشييع جثمان فقيد مدينتنا عصرا إلى مأواه الأخير، هبّت الجموع حيصها وبيصها، وتقاطرت من كل الأحياء والضواحي بأعداد كبيرة حتى كاد المكان أن يضيق بهم. ووفدوا للتعبير على أن ذكراه ستظل خالدة فيهم، ولن ينسوه ما ظلوا أحياء.
لم تكن ساعة الوداع ساعة عادية، وإنما كانت ساعة في غاية المهابة والجلال، ومثلما كان فراقه محزنا لأهله وإخوانه وأصدقائه، فإنَّ الحزن انسحب على المدينة كلها بعد أن فقدت في فتاها الطيِّع والمطيع منبعا صافيا من العلم والأدب يصعب تعويضه في الخير والكرم والعطاء المتفاني.
ستظل مدينة باتنة تذكر ابنها الذي اتفق سكانها في يوم توديعه على حبه؛ لأنه كان إنسانا منح لحياته معنى أكبر؛ فلم يعش حياة مغلقة أرادها لشخصه فقط، وإنما قاسم الآخرين ساعاتها عن رضى واقتناع.
أيها الفقيد الأعز.. ما أقسى أن يراك إخوانُك مسجَّى في كفن الرحيل المعفر بالعنبر، وهم يطبعون على جبينك من فوق اللحاف قبلات حارة، ويناجونك فلا تجيب كما هي عادتك. وعزاؤهم أن توديعك بالمحبة المفعمة وبالدعوات التي تلاحقك هو رصيدك الدنيوي الأجمل الذي تلقى به ربك يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا بنون. ورغم أنك غبت عن الأعين غيابا أبديا، إلا أنك ستبقى خالدا بجوارهم وحاضرا فيهم، ولا يقابلون طيف الصورة البهيّة، وأنت الزّين وأنت البهي، كلما زارهم، إلا بالذكر الحسن والدعاء المسترسل.
اعترف أن الكتابة، في هذه المرة، لم تكن سهلة ومتاحة على الإطلاق، فكل حرف هو وشمٌ مرقوم بدمع الوفاء، وبعد كل جملة تنهيدة مشحونة بالألم.
ألَا طيّب الله ثراك، في دار الخلود، أيها الفقيد الأغر الذي لا يطويه النسيان، وطيّب وأرضى وعافى من أحبّوك، وهم كثّر. والتعزية كل التعزية لمدينتك التي فقدتك. والسلام عليك حتى نلقاك.