مذكرات الدكتور عبد القادر فضيل عرض وتحليل
تسلمت قبل أيام هدية بعث بها شيخنا الدكتور “عبد القادر فضيل”، متمثلة في مذكراته الموسومة ” ما عشته مع المدرسة، سيرة ومسيرة”، التي صدرت قبل أشهر، مستهلا إياها بكلمة طيبة، وقد شرُفت إذ أشركني في محتواها ومضمونها خلال سنوات إنجازها، وفي عنوانها بعد إتمامها، مشيرا إلى ذلك في التقديم وفي كلمة الإهداء، وقد كانت أيام كتابة مخطوطها ثرية ميّزها نقاش فياض، جمع بين المتعة والفائدة مع فضيلته، حيث أرّخ المنتج لحقبة زمنية مفصلية، في تاريخ التربية في الجزائر وسياستها التعليمية، وصاحبه شاهد على عصره، عاشها من الداخل على مدى عقود، وهذا ما دعانا إلى القيام بتلخيصه ونشره، تعميما للفائدة، وهي رغبة الكاتب أيضا، فجاء التلخيص بعد التقليص في ثلاث حلقات.
بلغ عدد صفحات الكتاب ثلاثمائة واثنين وسبعين، من الحجم المتوسط، تناول فيه صاحبه تجربته التربوية – البيداغوجية، التي عاشها من بداية الاستقلال إلى تسعينيات القرن الماضي، وقبلها تطرق إلى نشأته ومساره الدراسي، وهو الذي لم يسعفه الحظ أن يدرس نظاميا بالمراحل التعليمية الثلاث، بسبب ظروف قاهرة، فانطلق من عصاميته، والتردد على بعض الزوايا والمساجد.. بشرق البلاد وغربها، مما أهله لأن يخطو خطوة عملاقة، ويقفز بفضلها من الجامع إلى الجامعة.
أما عن مساره المهني، فقد تقلد الدكتور “فضيل” مناصب تربوية عدة ابتداء باشتغاله معلما بالمرحلة الابتدائية، إلى أن صار مديرا مركزيا للتعليم الأساسي بالوزارة، مرورا بسلك التفتيش ومهام أخرى.
لقب الرجل بمهندس التعليم الأساسي، فكانت له فيها صولات وجولات، جاءت مبثوثة في ثنايا المذكرات، أساسها معركة التعريب داخل المنظومة التربوية وخارجها، وقد كان نائبا لرئيس اللجنة الوطنية للتعريب العام 1975م، ومازال إلى اليوم وفيا للمدرسة الأصيلة – وقد تجاوز التسعين- منافحا عنها، متصديا لكل التيارات التغريبية التي تبث سمومها لطمس معالم الهوية الوطنية.
كما تناولت المذكرات جوانب أخرى من حياته، جاء بعضها مفصلا وآخر مجملا، منها إدراجه كلماته ومحاضراته التي كان يلقيها، في مختلف المناسبات التربوية والدينية والثقافية، داخل الوطن وخارجه، وملخص الاجتماعات واللقاءات التي كان يشارك فيها بالبلدان العربية، والشهادات التي قيلت فيه من قبل شخصيات دينية وسياسية وتربوية وثقافية وإعلامية، وأردف العمل بملحق خصصه لبعض إنجازاته الشعرية في أغراض مختلفة.
ولم يغفل الرجل أن يشير إلى حياته ببيته إشارة خفيفة، مع أسرته الصغيرة، وتربية أبنائه ورعايتهم، والظروف المادية التي عانى منها خاصة في بداية مساره المهني.
مساره الدراسي والمهني
ولد “عبد القادر فضيل بن محمد، في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر 1932م بدوار “حميس” من دائرة “تنس” ولاية “الشلف”.
حفظ القرآن الكريم وتعلم المبادئ اللغوية، ثم انتقل إلى قرية “سيدي عكاشة” القريبة من مسقط رأسه، وتعلم بمسجدها، فاكتسب أساسيات المعرفة، والتمكن من التعامل مع الشعر قراءة وتذوقا ونظما. وبعد سنتين، انتقل إلى مدرسة الخلدونية بتلمسان، وكان يفكر – حينها- في السفر إلى المملكة المغربية للدراسة بجامعة “القرووين” بفاس، ولكن ظروفا حالت دون ذلك، فاتجه إلى قسنطينة حيث درس مدة وجيزة بمدرسة “الكتانية”، ثم التحق بالزاوية “السنوسية” بـ”مستغانم” ليدرّس بها، ومنها إلى “وهران” منضما إلى مجموعة فكرية هناك. وفي العام 1960م، شارك في امتحان تكوين معلمي اللغة العربية الذي نظمته الدولة بالمدرسة “الثعالبية” بالعاصمة، وبعد نهاية التدريب، عيّن معلما بـ “مستغانم”.
وفي العام 1963م انتقل إلى العاصمة، ليواصل دراسته بمعهد الدراسات العربية التابع لجامعة الجزائر العاصمة، وهو متخصص في تكوين أساتذة التعليم الثانوي، وبعد أن نجح في مسابقة الدخول إليه، مكث به ثلاث سنوات، واستعد للمشاركة للحصول على الشهادات فكان له ذلك، إذ تحصل على: الكفاءة للتدريس في التعليم الثانوي، والكفاءة للتفتيش في التعليم الابتدائي، والليسانس في الفلسفة، وأخرى في منهجية البحث، والدكتوراه في علم النفس التربوي.
وبفضل هذه الشهادات تمكن من تطوير معارفه، وأصبح مؤهلا لممارسة المهام التربوية التي أسندت إليه منها: مفتش عام للتربية وعلم النفس، وأستاذ باحث وممارس في مجال تكوين إطارات التربية، ومدير للتعليم الأساسي بالوزارة، إضافة إلى العضوية في لجان تربوية مختلفة داخل الوطن وخارجه…
و بعد إحالته إلى التقاعد استمر في القيام بنشاطات فكرية وثقافية مع وزارات: التعليم العالي، والثقافة، والشؤون الدينية والأوقاف، ومع جمعية العلماء المسلمين…
آثار الكاتب في مجال التأليف
ترك الدكتور فضيل رصيدا زاخرا في مجال الكتابة، للكبار والصغار، منها أعمال منفردة وأخرى مشتركة.
فمن الأعمال المنفردة نذكر: المدرسة في الجزائر حقائق وإشكالات، ونظام التعليم في الجزائر بين مظاهر التدني ومستويات التحدي، اللغة ومعركة الهوية في الجزائر…
ومن الأعمال المشتركة: كتابي “التربية العامة، وعلم نفس الطفل” لطلبة المعاهد التكنولوجية بالجزائر، وكتاب “إمام الجزائر عبد الحميد ابن باديس”…
أما المؤلفات الخاصة بالمستويات الدراسية – وعددها ستة – أهمها: تأليف طريقة متكاملة لتعليم اللغة العربية في سنوات المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، وكتب خاصة بتعليم القراءة في السنوات الأولى من التعليم الأساسي: (أقرأ: للسنة الأولى، أقرأ: للسنة الثانية، أقرأ وأتعلم: للسنة الثالثة).
ولا ننسى أن للرجل إسهامات في مجال التحرير الصحفي، فله مقالات عدة واستجوابات، منشورة بمختلف الصحف والمجلات، إضافة إلى إطلالاته المتكررة، بمختلف القنوات التلفزيونية الوطنية، العمومية والخاصة، وعبر الإذاعة الوطنية والإذاعات المحلية، وبعض المواقع الإلكترونية…
ويخفى على كثير من الناس “فضيل” الشاعر، ويكتشفه من خلال الملحق الذي ضم ما يربو عن عشرين قصيدة.
المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال
عاش الدكتور فضيل حدث تنظيم الدخول المدرسي الأول بعد الاستقلال عن كثب، وكذا السنوات التي تلته، فكان أحد المشاركين فيه.
فيذكر أن المسؤولين الذين كانوا قائمين على شؤون التعليم غداة الاستقلال، قرّروا جعل المدرسة تواصل نشاطها التربوي، بعدما توقفت عنه، فنظم الموسم الدراسي الأول (1962م-1963م) وكان متميزا، جُعل منطلقا لتأسيس الحياة التعليمية الوطنية، بتغيير بعض الأوضاع أو تكييفها مع الظرف الجديد، على الرغم من الاحتياجات المادية والبشرية التي عرفتها المدرسة يومها.
تقرر ترسيم اللغة العربية في التعليم، وتعريب السنة الأولى من التعليم الابتدائي العام 1965م، كما بدأ التوجه إلى الاهتمام الوطني بالإصلاح التربوي العام 1971م، بداية من تعريب المواد العلمية، إلى مشروع الإصلاح الجذري العام 1976م، الذي جاء تنفيذا لأمرية 16 أفريل 76، فكان مضمون الوضع التعليمي يومها، إقرار وضع تعليمي وطني، عناصره الأساسية اللغة العربية، والتربية الإسلامية، وتصحيح الجوانب التاريخية في هذا الموضوع الذي يعد أساس الحياة الوطنية.
ويمكن التأريخ لمراحل سير المدرسة الجزائرية التي انطلقت بعد الاستقلال – حسب الكاتب- بفترات ثلاث:
– أولا: فترة التبني والإصلاح الجزئي: وهي المرحلة التي تم الانطلاق منها، بتبني الوضع القائم، أو الذي تم التفكير فيه، وما كانت المنظومة بحاجة إلى التوجيه إليه.
– ثانيا: فترة البناء والتأسيس: ويتم إنجازها بالتركيز على الأسس والمبادئ التي يعتمدها النظام.
– ثالثا: فترة التفتح على مشاريع التغيير والتجديد، وتم هذا بعد استكمال بناء النظام، وتهيئة الرأي العام للتعامل مع مبادئه.
تدهور المدرسة الجزائرية
بعد أن وضّح الكاتب بدايات نشاط المدرسة الجزائرية غداة الاستقلال، وسيرها بخطى وئيدة، نتيجة مخلفات الاستدمار الفرنسي، ثم تطرق إلى مشروع الإصلاح الشامل، متمثلا أساسا في المدرسة الأساسية التي أشرف بنفسه عليها، قام بتشخيص وضع المدرسة خلال ثمانينيات القرن الماضي، وما عرفته من اختلالات، خاصة بعد أحداث أكتوبر 1988م، فيكشف أنها عرفت تدهورا منذ ذلك العهد، مما أسفرت عنه المظاهر الآتية:
1- انعدام الاستقرار في السير.
2- الغموض في الاتجاه والأهداف.
3- الارتجال في القرار.
4- عدم الانسجام بين النيات المعبّر عنها، والإجراءات العملية المتخذة.
ويرجع الكاتب سبب التدهور خلال هذه الحقبة، إلى تخلي الدولة عن جانب من مهامها-تدريجيا- وتركه لوزارة التربية التي هيمنت على كل شيء، ولا أدل على ذلك من تلك الإنجازات المحققة في الفترة الممتدة من سنة 2003م إلى 2014م، ابتداء بإلغاء أمرية 76، الذي يعد تجاوزا قانونيا.
أحداث هامة في حياة الكاتب
وردت في المذكرات ثلاثة أحداث هامة، عاشها الكاتب في حياته:
– الحدث الأول سنة 1963م: وهو مزدوج، له مظهران: تمثل الأول في نجاحه في مسابقة الدخول إلى معهد الدراسات العربية بجامعة الجزائر، الذي تم تأسيسه لأجل تكوين أساتذة التعليم الثانوي، وتخرج فيه بعد ثلاث سنوات من الدراسة، حاملا شهادة الأستاذية للتدريس، وقد توسعت فيه معارفه، وتعمقت اهتماماته في مجال البحث.
ورافقه الآخر متمثلا في استقباله مولوده البكر”معمّر”، وهذا بعد سنة من الاستقلال، فأكمل فرحة الاستقلال، وفرحة دخول والده الجامعة لمواصلة دراسته.
– الحدث الثاني سنة 1964م: وهو مزدوج أيضا:
أولاهما عائلي، وفيه استقبل مولوده الثاني “محمد الأمين” كونه جاء رفيقا للأول (يشد به عضده).
وثانيهما فكري ثقافي، ويخص مشاركته في مسابقة تجديد النشيد الوطني، التي أعلنت عنها الدولة، وحظيت قصيدته بالقبول، لولا أن ظروفا حالت دون إتمام إجراء المسابقة.
ومن الذين شاركوا فيها: “مفدي زكريا” شاعر الثورة. (أدرج مقتطف من القصيدة، بعنصر “فضيل الشاعر” بالحلقة الأخيرة).
– الحدث الثالث سنة 1966م: وله مظهران كذلك، عائلي وفكري – ثقافي:
أما الأول فيخص استقباله مولوده الثالث “المأمون”، وأما الآخر فيتجلى في مشاركته بقصيدة في الاحتفال الذي أقامه طلبة معهد الدراسات العربية – وهو أحدهم- بمناسبة اختتام السنة الدراسية، وقرار إغلاق المعهد وإنهاء الدراسة به، ألقاها أمام المفكر “مالك ابن نبي” عنوانها: “سنوات ليس ينسيها الفراق”، (أدرج مقتطف منها).