مراني قال.. فلِمن الدور؟
أحلى ما في التاريخ أن يُكتب ويُصوّر في حضرة أبطال البَوح وشهوده من الأحياء، حيث يكون بالإمكان دحضه أو تثمينه وتأكيده، وخاصة الرد عليه بكتابات أخرى، فيصبح للقارئ إمكانية التشخيص والغربلة، وتُثرى المكتبة الجزائرية التاريخية الجافة بالكتب والأفلام، وليس الكتابة في الوقت بدل الضائع في غياب الشهود، وبعد رحيل أبطال الحدث، حيث يصعب تأكيد ما يُقال، وتصبح الكتابة أشبه بالنحت على الماء، وشهادة القيادي السابق في الحزب المحظور الجبهة الإسلامية للإنقاذ أحمد مراني بالرغم مما قيل عنها وسيقال، هي في كل الأحوال جرأة على البوح في زمن خاص يمكن بعده التأريخ لحقبة مهمة في تاريخ الجزائر المعاصر. وهذا طبعا بعد أن يتكلم كل المعنيين من دون استثناء على خطا هذه الشهادة، خاصة أن الحلقات التي تقدمها الشروق اليومي تلقى قراءة كبيرة من كل الجزائريين في الداخل والخارج ومن كل الأجيال والأطياف كدليل على أن الكتابة هي حل آخر لأزمة السؤال الكبير الذي رفضنا الإجابة عنه ورفضنا أيضا تجاوزه وهو من كان المذنب في الوضع الذي وصلت إليه الجزائر؟
كما أن الكتابة هي طلقة قلم رصاص تحتمل الرد بمزيد من الطلقات، واستفزاز للذين صنعوا التاريخ ورفضوا أن يُخرجوا سلاح قلمهم ليطلقوا الحقيقة التي جعلتنا جميعا نسمّي العشرية التي أخرتنا عن العالم بعشرية النار والعشرية الداكنة السواد دون أن نعرف من صبغها بالسواد ومن أشعل النيران فيها، لأن الذي لا يعرف تاريخه قد يفقد معالم حاضره ومستقبله كما يقول كبار المؤرخين في العالم. والذي لا يعرف سبب السواد لا يُمكنه تبييض المشهد، ومن لا يعرف من أشعل النيران يعجز عن إطفائها أيضا، ولا نظن أن ما تلاه أحمد مراني في شهادته، قد ترك زوايا كثيرة غامضة من منظوره طبعا، ولا نظن أنه ترك صانعا للحدث دون ذكره ولا نظن أنه كان بعيدا عن استفزاز الآخرين كما تتطلب الشهادات التاريخية، ومن المفروض أن تكون شهادته كسرا حقيقيا لصمت مطبق من المذنبين ومن الضحايا ومن القضاة هو صمت أكثر سوادا من الأحداث التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى، فإذا كان المصريون يعترفون أن سبب الانحباس الحياتي الذي عرفته مصر على مدار أزيد من نصف قرن يعود إلى عدم البوح الذي جاء الآن متأخرا جدا وأدخل البلاد في دوامة أخرى، فإن الوقت في الجزائر قد حان ليعرف الجزائريون ولو القليل من تاريخهم الحديث ولا نقول القديم وربما نُؤسس بعد ذلك لتقاليد كتابة وتصوير الأحداث التي عرفتها الجزائر، حتى لا تبقى شهادات الجزائريين تصلنا عبر أقلام من الخارج ودور نشر من الخارج وفضائيات من الخارج وحتى الحكم على الأحداث يأتينا من الخارج فنصبح نحن المتهم والضحية وهم المحامي والنائب العام والقاضي.