مراهقون يستنشقون غاز الولاعات والقداحات
لطالما ارتبط إدمان المراهقين بالمواد الرخيصة، التي تتناسب مع إمكانياتهم المادية المعدومة.. فمن استنشاق البنزين والباتيكس وغبرة الصراصير، وصولا اليوم إلى طامة استنشاق غاز الولاعات والقداحات briquets..
هذه المصيبة الجديدة التي ابتلي بها الأولاد من الفئات العمرية الصغيرة، عرفت تفشيا خطيرا في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل سهولة وبساطة الوصول إلى مثل تلك المواد الطيارة، إذ يمكن لأي مراهق أن يشتري ذلك الغاز من أقرب كشك إلى بيته أو من أي “كنكايري”، وهو الوضع الذي لا يعكس أبدا مقدار خطورتها على صحة هؤلاء المراهقين، بل وبأمن أهاليهم ومجتمعهم.
فلم التغاضي والتغافل عن توسع انتشار مثل هذا النوع من الإدمان المستجد؟
قارورات القري- قري الرخيصة “ازطل يا قليل”
هي قارورات غاز ذات سعة 400 ملل، موجهة إلى إشعال المواقد والمشاعل المحمولة، وملء جميع أنواع الولاعات والقداحات، تحمل تسميات مختلفة، أبرزها “قري- قري سوبرغاز”. تجدها فارغة ومرمية أينما حللت، ولكن حين تفكر فيمن وفيم استخدمها، فالإجابة ستكون على الأغلب: “لا أحد تقريبا”.
فأنا مثلا، لا أعرف في محيطي الاجتماعي من يشتري مثل هذه القارورات ليملأ بها ولاعته بعد نفادها. وحتى إن وجد مثل هؤلاء المستعملين، فإنهم قليلون، مقارنة بقدر الانتشار الذي يجعلها مترامية هنا وهناك. ولكنك إن دققت البحث جيدا، لاكتشفت أن أكثر المستعملين السريين لهذه القارورات، هم من المراهقين ذوي الفئات العمرية من 14 إلى 20 سنة تقريبا، الذين يشترونها ليستنشقوا غازها الذي لم تذكر على القارورة سوى بعض التحذيرات الخفية المتعلقة باحتياطات الاستعمال، أما في ما يتعلق بالأضرار الصحية إذا تم تحويل وتحوير استعمالها إلى الاستهلاك البشري، فلم تتم الإشارة إليها إطلاقا، ربما لأن الشركات المنتجة لها، لم يتصور القائمون عليها أبدا أن يأتي اليوم الذي يتحولون فيه إلى منتجين لأحد أكثر مخدرات الفقراء انتشارا بين المراهقين، بالنظر إلى سعرها الذي يتراوح ما بين 100 و120 دينار جزائري.
سنة أولى إدمان
صراحة، لم أجد مشقة أبدا في العثور على عينات وجمع شهادات لموضوعنا هذا، فكلها- وبلا فخر- موجودة في محيطي الاجتماعي القريب. فأيمن مثلا، مراهق في الـ16 من عمره، كان في الـ13 حينما بدأ يستنشق غاز الولاعات، إذ يشتري قارورة ذات 400 ملل، يضعها تحت قميصه، ينزوي في مكان غير معزول تماما، ويبدأ “يجبد”- كما يقول أحد أصدقائه. أيمن الذي شوهد وهو يفعل ذلك حتى في حافلة النقل المدرسي بعد انتقاله من المتوسطة إلى الثانوية، تأثرت صحته الجسدية والعقلية كثيرا، زيادة على تدهور مستواه الدراسي، إذ أعاد السنة الدراسية لأكثر من مرة، رغم التحفيزات المادية والمعنوية الكثيرة التي يدعمه بها أهله.
أما جاره عبد الرحمن- 17 سنة-، فقد غادر مقاعد الدراسة باكرا، بسبب إدمانه غاز الولاعات الذي نهب عقله، ودفعه لاحقا إلى إدمان السجائر التي تكون في أغلب الأحيان محشوة “زطلة”.
الصاحب ساحب
أما عبد الرؤوف- 19 سنة- فهو كبيرهم الذي علمهم هذا النوع من الإدمان، وهو فتى مدلل لوالدين لم يرزقا غيره إلا بنتا واحدة، وبدل أن يهتما به، فلقد أطلقا له الحبل على الغارب، فبدأ مبكرا في استنشاق غاز الولاعات، ثم تطور إلى تعاطي الزطلة وغيرها الكثير من أنواع المخدرات، وسحب بدوره الكثير من أصدقائه نحو هذا الدرب الصعب. ولتأمين ثمن ما يتعاطاه، صار خفيف اليد، إذ سرق ذات مرة مبلغا ليس بالبسيط من جدته، وفي كرة أخرى سرق دراجة نارية لأحد جيرانه وقام ببيعها، ولولا تدخل بعض أولاد الحلال لحل المشكل وإصلاح ذات البين لتم سجنه.
وفي النهاية، اضطر أهله إلى الفرار بعيدا، بكراء منزل في منطقة أخرى، على أمل أن تصلح حاله، ولكن، لا حياة لمن تنادي، فهو من سيئ إلى أسوأ، فعقله يكاد يصيبه الخبل، بدليل الهلاوس التي صارت تسيطر عليه، وتجعله يصاب بنوبات صراخ وحركات فجائية هستيرية لا إرادية غريبة في الشارع، الأمر الذي دفع أهله إلى الاستعانة براق شرعي لرقيته، وهو نفس الأمر الذي فعله أهل أيمن المراهق الذي تحدثنا عنه في البداية، ولكن: هل يصلح الرقاة ما أفسده الأهل بتخليهم عن دورهم الرقابي والتربوي واستقالتهم شبه التامة من حياة هؤلاء المراهقين؟
غاز قاتل مهلك للصحة
إن غاز الولاعات الذي يستنشقه هؤلاء المراهقون “غاز البوتان”، هو مادة خطيرة جدا على صحة الإنسان، إذ له تأثير قوي على الجهاز العصبي وأجهزة الجسم الأخرى، لأنه بحسب الأطباء المختصين يمر مباشرة من خلال الرئتين، ما قد يؤدي إلى حالة من الخدر والنشوة ثم الإغماء الذي ينتهي بالوفاة، مثلما حدث لمراهق من بلدية قورصو ببومرداس، توفي- كما أخبرنا فاروق- وهو مدمن سابق لهذا الغاز، إثر سكتة قلبية جراء تعاطي غاز الولاعات، أو بتعبيره الخاص “طرطق قلبو”.
والخطير كذلك في الموضوع، إدمان غاز الولاعات هو احتمالية تسبب هؤلاء المراهقين في انفجارات وحرائق، جراء استعمالهم تلك القارورات في حال توفر أدنى شرارة نار بالمكان، أي إنهم لذلك، يشكلون خطرا على المحيطين بهم من أهل وأصدقاء وجيران.
مواد محرّمة لكن غير مجرّمة
هذه الغازات المخدرة، وإن كانت محرمة شرعا، كما يقول الإمام محمد، لأنها مذهبة للعقل كغيرها من المخدرات الأخرى، فإنها للأسف، وبحسب عنصر من عناصر الضبطية القضائية، غير مجرّمة، إذ لا توجد مادة صريحة في القانون الجزائري تنص على عقوبات لبائعيها أو متعاطيها. وبالتالي، هنا يقع الدور الأكبر على الأهل في وقاية وإنقاذ أبنائهم المراهقين من خطر غاز الولاعات- كما تقول الأستاذة سعاد توينة- دكتورة مختصة في علم الاجتماع العائلي والعمل الاجتماعي بجامعة الجزائر 2.
ففترة المراهقة، كما تضيف: “هي فترة حرب، وعلى الأهل أن يتجندوا لحماية أولادهم من مخاطرها، ومنها إدمان غاز الولاعات والقداحات، الذي أصبح موضة بين هؤلاء المراهقين يهربون إليها من مشاكل يومهم، أو لإثبات رجولتهم، فالمراهق غير واع بحكم التغيرات الفيزيولوجية التي تحدث له، ولهذا، على الأهل الاضطلاع بدورهم بغرس الوازع الديني في نفوس أولادهم، والتركيز معهم أكثر بمراقبتهم. كما أن للمساجد دورا في ذلك أيضا.