الرأي

مرة أخرى: ماذا بعد النجاح الفلسطيني في الأمم المتحدة؟!

الشروق أونلاين
  • 2176
  • 3

…وأخيرا بعد معركة سياسية دبلوماسية متعددة الجوانب وما رافقها من ضغوطات اقتصادية سياسية قادتها الإدارة الأمريكية بالتناغم التام مع المسلك الإسرائيلي بالترهيب، حتى آخر لحظات وقبيل التصويت على المقترح الفلسطيني حاولت الإدارة الأمريكية مع بعض الدول التي تدور في فلكلها تفريغ هذا المقترح من بعض مضامينه الأساسية أو عبر وضع كوابح للحركة الفلسطينية اللاحقة، لكن لم تتمكن من تمرير ما تريده من تعديلات على المقترح.

لقد حازت دولة فلسطين على العضوية غير الكاملة في الهيئة الأممية، بالتأكيد فإن هذه الخطوة لم تكن لتتحقق لولا استنادها على دعم جاد من تلك الدول المناصرة للحق العربي الفلسطيني ولحق الشعوب في تقرير مصيرها.. الخ، بالإضافة إلى مجموعة الدول العربية. إن 138 دولة التي صوتت لصالح دولة فلسطين هي من امتلك الجرأة حول هذه القضية وقالت لا للضغوطات الأمريكية، مع العلم أن هناك 132 دولة كانت قد اعترفت بدولة فلسطين. هل ستسلم إدارة اوباما بهذه الهزيمة، وما هي الإجراءات العقابية التي هددت باللجوء إليها مع حكومة نتنياهو، إن هذه الإدارة لازالت مصرة على أن تخضع كل الملفات “العالقة” للمفاوضات الثنائية الإسرائيلية الفلسطينية، حيث لم يتم معالجة أي منها “والملفات هي: القدس، الاستيطان، الحدود، الأمن، اللاجئين، المياه، الأسرى”، لأن الإدارة الأمريكية لا تريد حلا عادلا للصراع، بل نراها تسعى دوما لتوفير الغطاء السياسي والدعم المتواصل لدولة الاحتلال، أي أنها تدير المشكلة وتحرك زواياها فقط، من جانب آخر سعت دولة الاحتلال ولازالت تسعى لاستخدام الاتفاقيات لصالح مشاريعها بما يتناقض والحد الأدنى من الحقوق الوطنية لشعب فلسطين.

بالرغم من أن هذا القرار يعبر عن جانب بسيط من تلك الحقوق التاريخية، إلا أنه يشكل مكسبا يضاف إلى تلك المنظومة من القرارات الأممية وفي مقدمتها القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منهم بقوة الارهاب الصهيوني والذي صدر في11 / 12 / 1948، وقرار التقسيم 181 الذي صدر في 29 / 11 / 1947 وهو الذي مزق الجسد الفلسطيني إلى ثلاث قطع، وكانت خلفيته السياسية الوحيدة للدول التي صاغته وقدمته للأمم المتحدة هو تأسيس دولة صهيونية استعمارية.

في وقفتها أمام تطورات القضية الفلسطينية عام 1977، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار يوم 29 / 11 من كل عام يوما للتضامن الدولي مع شعب فلسطين تأكيدا منها على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، وهو ذات اليوم الذي صدر فيه القرار الجديد باعتماد العضوية غير الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.

ماذا بعد: على أهمية القرار الجديد الذي يعتبر حصاد الصمود الفلسطيني الشعبي والوطني واستمرار المقاومة بكافة أشكالها والتمسك بالحقوق والثوابت الفلسطينية أو ما تبقى منها، إنه قوة دفع وحافز نضالي جديد، إلا أنه من الجانب الآخر لا يعني أن مشكلة الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة منذ عام 1967 قد انتهت، أو اصبحت قاب قوسين أو أدنى من تجسيدها، إنه في الواقع يشكل بداية لمشوار نضالي من أجل تفعيل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالحقوق الفلسطينية، هذا الإنجاز الجديد يعني ضمن ما يعنيه فشل جديد للسياسة الأمريكية غير العادلة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي واتجاه شعب فلسطين على وجه التحديد، بالتالي تأكيد متجدد على فشل المفاوضات الثنائية تحت رعايتها والتي أصبح عمرها 19 عاما دون أن تحل مشكلة أي من الملفات الأساسية التي أشرنا إليها سابقا وذلك لطبيعة السياسة العدوانية الصهيونية، هذا الفشل هو الذي دفع بالقيادة الفلسطينية إلى اللجوء للهيئة الدولية، بعد استنزاف عوامل المراهنة على تأسيس الدولة وإجلاء الاحتلال عبر تلك المفاوضات، بل إن مستوى المراهنة لدى حكومة تصريف الأعمال الفلسطينية وصل إلى درجة تحديد السقف الزمني للإعلان عن الدولة.

إن الدرس الأول المستخلص من فشل المفاوضات كخيار وحيد أو المراهنة عليها لتحقيق المشروع الوطني المرحلي يتمثل بعدم هدر مزيد من الوقت دون جدوى، بالتالي يتوجب التحرر من قيودها بحمل ملف القضية الوطنية التحررية والذهاب به إلى الأمم المتحدة من أجل تنفيذ قراراتها ذات الصلة والدعوة لعقد مؤتمر دولي تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة بذات الوجهة أيضا بالترافق مع كافة الأشكال النضالية الممكنة والتي أجازتها لوائح الأمم المتحدة للشعوب المستعمرة.

في هذا الإطار، نسجل النقاط التالية:

أولا: دعم عربي جاد ومحدد داخل وخارج أروقة الهيئة الدولية من أجل التصدي لمحاولات الحلف غير المقدس الأمريكي الإسرائيلي لإلغاء القرارات الدولية الخاصة بالحق الفلسطيني أو باتجاه ابطال مفعول أو تطويق تداعيات هذا القرار الجديد.

ثانيا: إن قيمة هذا المكتسب أو الحق المستعاد تكمن في أحد جوانبه بالسعي الفوري والمباشر من أجل الحصول على عضوية المؤسسات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة تبعا لوثائقها ولوائحها. بطبيعة الحال لن تكون الطريق معبدة بسبب الحرص الامريكي على افشال هذا التحرك، لأن التحالف غير المقدس يخشى، بل يرتعد من امكانية لجوء فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية في حال كسب عضويتها لإثارة موضوع المجازر والجرائم التي تقوم بها دولة الاحتلال الإجلائي بقادتها العسكريين والأمنيين في هذه المؤسسة وصولا إلى المطالبة بمحاكمتهم كمجرمي حرب، اتصالا بأهمية العضوية في تلك المؤسسات. على القيادة الفلسطينية وضع رزنامة أو خارطة طريق نحو هذا الهدف.

ثالثا: إن استعادة هذا الحق يفترض الانتقال إلى الخطوة الأهم للحصول على العضوية الكاملة، لأن هذه الهيئة ليست ملكا للإدارة الأمريكية أو موقعا دائما لنفوذها، هذا الحراك يجب أن يتوج بترسيم وتجسيد الدولة على أرضها، إنها المعركة الأساسية مع الاحتلال، لأنه لا يمكن تجسيد هذه الدولة إلا بطرد الاحتلال، دون ذلك سوف تبقى المراوحة في المربع ذاته، فلا يمكن تحقيق هذه الخطوة المفصل من خلال المفاوضات التي ترعاها الإدارة الأمريكية بأفق مصالحها، وما نراه يجري في أراضي الضفة الغربية من توسيع جنوني للاستيطان ومصادرة الأراضي ومواصلة بناء جدار الفصل العنصري والتهويد الشامل للمدينة المقدسة، وحرمان الفلسطينيين من المياه التي يتم تحويلها نحو المستوطنات، انها ترجمة ملموسة لنتائج المفاوضات، أي أن المعطيات التي تنتجها الحكومة الإسرائيلية على الأرض لن تسمح بقيام دولة فلسطينية.

لماذا الانتظار؟ ما هي نتائج هدر الزمن بدون أية متغيرات في مواقف تلك القوى؟ هل نريد وضوحا أكثر في الموقف الأمريكي أو الإسرائيلي؟ هل يبقى الموقف الفلسطيني أسير المراهنات على التسوية الأمريكية والمفاوضات بعد ما أفرزته تجربة الـ19 عاما؟ إنها المسؤولية الوطنية في مواجهة هذه التحديات، أين ستقام الدولة الفلسطينية إذا لم يكن هناك مقاومة بكل أشكالها وشاملة مدعومة من كل الاتجاهات من أجل طرد المحتلين وليس مفاوضتهم وهم مستندون إلى ميزان قوى لصالحهم.

رابعا: في مخاض تجسيد الدولة لا يمكن عبور محطاتها دون الاستناد إلى عامل ذاتي موحد وإلا سوف يتكرر المشهد الأمريكي في الطعن بعدم أهلية الوضع الفلسطيني لقيادة دولة، في حالة استمرار الانقسام بوجود حكومتين، سلطتين وأجهزة أمينة متعددة الولاءات، وصولا إلى مؤسسات منظمة التحرير والسفارات بالخارج التي تحتاج إلى خض وإعادة تركيب، آن الأوان لمغادرة عادة التحسس والتذمر لدى تناولها بالتشريح أو الانتقاد، لأن بعضها يكون في واد والقضية الوطنية في واد آخر لا يمكن حجب الشمس بالغربال.

إن واقع الوحدة الوطنية قد يقرر بنتائجه مصير هذه المرحلة. هناك عدد من العناوين باحتياج إلى اتفاق ونقاش حولها: التسوية السياسية بمفهومها الأمريكي إلى أين؟حصيلة المسار السياسي خلال مرحلة المفاوضات، المشروع الوطني وعقباته، أشكال النضال وموقع المقاومة داخلها وعنوان كل مرحلة وفقا لخصائصها.

بعد ذلك لا بد من القول إن فلسطين التاريخية لا يحق لأي قوة مهما كان وزنها، ولا يحق لأي نظام عربي أو فلسطيني أن يشطبها من خارطة الذاكرة الجمعوية الفلسطينية في الشتات قبل الداخل.

مقالات ذات صلة