مرحبا بالسيد المشكل
في كل بلدان العالم يقوم الوزراء بمعالجة مشاكل البلاد، ويجتهدون لهذا الغرض. ويتم اختيار الوزير عادة حسب ميوله السياسي وخبرته، ويتولى تسيير القطاع بطريقة تسمح لبلاده من حل المشاكل المطروحة، وتحضير البلاد لمواجهة المستقبل في أحسن الظروف.
-
أما في الجزائر، فإن الأمر يختلف، حيث أن الوزير لا يستطيع أن يحل المشاكل، لأن الوزير أصبح هو المشكل. وسنروي قصة السيد مصطفى بن بادة مثل غيره من الوزراء، ونذكر كيف اختلق مشكلا لم يكن موجودا، ثم كيف غرق في معالجته، قبل أن يطلب من الجزائريين أن يشاركوه نقاشا وطنيا لحل المشكل…
-
وقد طلب السيد بن بادة خلال حصة إذاعية هذا الأسبوع تنظيم نقاش وطني حول دعم الدولة لبعض المواد الاستهلاكية. وقال الوزير إنه من الخطأ أن يتم دعم الزيت والسكر وغيرهما من المواد بطريقة عشوائية لصالح كل الجزائريين. وأضاف أنه من الأفضل أن يكون الدعم موجها لذوي الدخل المتواضع. وهل من المعقول أن يستفيد نائب في البرلمان بـ 30 مليون سنتيم شهريا من دعم الخبز والزيت والسكر؟
-
إن كلام الوزير معقول جدا. لكن السيد بن بادة يطرح السؤال متأخرا بربع قرن، لأن هذا السؤال كان مطروحا في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وقد أجابت عنه الجزائر آنذاك، ووقع إجماع على رفع الدعم تدريجيا عن سلسلة من المواد الاستهلاكية، ولم يبق إلا الخبز والحليب ضمن قائمة المنتوجات المدعمة. ورحب المنتجون بهذه القرارات، لأن تجربة العديد من البلدان أكدت أن الدعم يقضي على الإنتاج المحلي. وقد أدى دعم القمح والحبوب بصفة عامة مثلا إلى ابتعاد الفلاحين عن هذا القطاع، فأصبحت الجزائر أول مستورد للحبوب في العالم…
-
وتأكد هذا الاتجاه مع الاتفاق الذي تم إبرامه مع صندوق النقد الدولي سنة 1994، فكرس الاتجاه نحو التخلي عن الدعم، وكان من المفروض أن تتخلى الجزائر عن الدعم بصفة نهائية، لتحل محله صيغة أخرى لمساعدة الفئات ذات الدخل الضعيف. ومع بداية القرن الجديد، كانت الجزائر مؤهلة لتدخل مرحلة جديدة ترفع كل أشكال الدعم لتعطي العائلات ضعيفة الدخل ما يغطي احتياجاتها الأساسية، وهي الطريقة العصرية التي تلجأ إليها معظم الدول.
-
لكن اتضح فيما بعد أن الجزائر اتخذت هذه الإجراءات لما كانت فقيرة، ولما كان دخلها من المحروقات ضعيفا، لا يسمح لها بدعم مواد الاستهلاك، فاضطرت إلى البحث عن حلول اقتصادية جديدة. لكن لما ارتفعت أسعار النفط وتدفقت الأموال من جديد، تراجعت الجزائر تدريجيا عن هذا المنهج، واختارت مرة أخرى أسهل الطرق، وهو توزيع، بل تبذير الأموال دون مبالاة.
-
ولما طغى هذا الفكر الفاسد على الطبقة السياسية من جديد، جاءت سلسلة من الأزمات، منها أزمة ارتفاع القمح سنة 2008، ثم أزمة البطاطا صيف 2009، وأزمة الحليب، ثم ارتفاع سعر الزيت والسكر نهاية العام الماضي، ثم مظاهرات بداية السنة الجارية.
-
وأمام هذه الأوضاع، لجأت الحكومة إلى الطريقة الوحيدة التي تتحكم فيها، وهي تقسيم الأموال على “الغاشي” بهدف الحفاظ على السلم الاجتماعي مهما كان الثمن. وقد قررت الحكومة التخلي عن المراسم الجمركية للبطاطا والسكر والزيت، وخصصت مبالغ هائلة لدعم أسعار السكر والزيت وغيرها. وعادت سياسة الدعم من جديد وبقوة بعد أن كانت على وشك الانقراض.
-
وكان للسيد مصطفى بن بادة دور أساسي في عودة سياسة دعم مواد الاستهلاك بصفته وزيرا للتجارة. وفي بداية السنة، لما اتسعت دائرة المظاهرات في البلاد، كان وزير التجارة أول من ظهر في التلفزيون وتكلم عن الوضع وواجه الشارع، وتبنى سياسة دعم المواد الاستهلاكية، وأعطى الحجة والبرهان على ضرورة هذا التصرف، وأوضح قواعده، ليعود اليوم ويقول إن دعم المواد بهذه الطريقة ليس عادلا ولا ناجعا من الناحية الاقتصادية…
-
واقترح السيد بن بادة نقاشا وطنيا حول الموضوع للبحث عن حل لقضية الدعم التي أصبحت تشكل عائقا على الاقتصاد الوطني. ولم يتبين لحد الآن ماذا سيكون الحل. ورغم ذلك اتضح أن السيد بن بادة لا يستطيع أن يأتي بالحل، لأنه يجيد اختلاق المشاكل، لا حال المشكل.