مرحلة حرب “شل القدرات” بدأت في فنزويلا…
-ما حدث اليوم في: “فنزويلا” هو نموذج واضح لحرب “شل القدرات” أو ما أصبح يُعرَف في الأدبيات الجيواستراتيجية بـ”احتلال القدرة”. العدو لا يدخل أراضيك ولا يحطم بنيتك التحتية المادية ولا يُعرِّض جنوده للخطر إنما يقوم بعمل سريع وفعَّال يشل جميع قدرات الدولة الرقمية: الاتصالية، الاقتصادية، السياسية، العسكرية، وحتى الذهنية والوجدانية، نتيجة قدراته التكنولوجية العالية وهشاشة أساليب الحماية في الدولة المستهدَفة.
– ما حدث اليوم في فنزويلا يجعلنا ننتبه إلى التأثيرات الكبيرة للحوسبة الكمومية والرقائق الإلكترونية المتناهية في الصغر ذات القدرات الفائقة والذكاء الاصطناعي الناتج عنها، على موازين القوى بين الدول وعلى قدرتها على الدفاع عن نفسها في المستقبل. كما يجعلنا ننتبه إلى مخاطر استيراد التكنولوجيا وأنظمة التسيير والبنية التحتية المرافقة لها من دون القدرة على تعويضها في حالة الخطر أو التهديد المباشر.
– ما حدث اليوم في فنزويلا يُبين أن “بقية العالم” الذي لا يمتلك هذه التكنولوجيا المتقدمة للدفاع عن نفسه لم يعد عرضة لتهديدات غير مسبوقة على كيانه فحسب، بل أصبح مهدَّدا في وجوده بحد ذاته وعليه أن يُشمِّر عن سواعده ويستعد لِكي لا يكون هو الضحية القادمة.
– المستهدفون اليوم هم الضعفاء، من الصومال الأضعف إلى الأقل ضعفا إلى الأكثر قدرة على الصمود والأكثر وعيا بطبيعة الصراع الكوني اليوم.
– فكما كان “مادورو” ضحية قراءة خاطئة للتحول الجيواستراتيجي الكبير الذي حدث في العالم (انظر مقالنا السابق)، كان أيضا ضحية عدم إدراك لطبيعة التهديدات التي تُرافق النقلة التكنولوجية الكبيرة التي تعرفها البشرية وما يتزامن معها من تحول في أساليب السيطرة وفي طبيعة السلطة!
– ويكفي هنا أن نُذكِّر بإحدى التصنيفات الأكثر وجاهة في هذا المجال للأمريكي “ألفين توفلر” (أحد أفضل المتتبعين لطبيعة الثورات الصناعية التي عرفتها البشرية وعلاقتها بتحول السلطة والحرب). لقد لاحظ هذا الكاتب أن الثورة الصناعية الأولى 1760-1840 رافقها نوع من الاستعمار التقليدي، والثانية (حتى نهاية الحرب العالمية الأولى) طور فيها الاستعمار أساليبه والثالثة إلى غاية (1970) شهدت الظاهرة الإمبريالية والمعسكرين، والرابعة حتى بداية الألفية عرفت ما سمّيناه الاستعمار الجديد، والخامسة التي نعيشها منذ 2010 وقد تمتد إلى ما بعد سنة 2040 ستعرف ما يمكن تسميته بـ”احتلال القدرة”، ونحن نعيش اليوم أحد مظاهرها في “فنزويلا”.
– والنتيجة: مَن يُبقي قدراته المختلفة في يد ما يُنتجه الآخرون يُمكنه أن يتعرض في أي وقت لشل القدرات. أي مَن لا يتحكم في بياناته ومنصات تنظيم وتخزين هذه البيانات وخوارزميات إدارتها والتكنولوجيا المتقدمة القادرة على أداء هذه المهام، ينبغي أن يضع في الاعتبار إمكانية اختراقه والسيطرة عليه!
– والأمر لا يتعلق هنا بصراع بين دول متقاربة في درجة التقدم التكنولوجي تستطيع الدفاع عن نفسها وامتلاك الردع الكافي (الصين، الولايات المتحدة، روسيا، اليابان، دول الاتحاد الأوروبي)، أو بين دول متقاربة في درجة الضعف والتبعية التكنولوجية (دول الجنوب) تُترك لإضعاف بعضها البعض! أو بين جماعات مُسلَّحة ودول في شكل حروب لا تناظرية (حماس-الكيان) لا يمكن تحقيق النصر المطلق فيها… إنما بين دولة من المجموعة الأولى الأكثر تقدما ودولة من الجنوب المتخلف تكنولوجيا! في هذه الحالة يكون احتلال القدرة ممكنا بالتناسب مع درجة استعداد الأضعف فالأضعف. (إيران ليست الصومال، وتركيا ليست الهند وقس على ذلك…).
– وآخر الكلام أنه إذا ما تمت مواجهة الاستعمار التقليدي بنهضة فكرية ووعي سياسي ملائم أدت إلى زواله بعد تضحيات جسام، فإننا نحتاج اليوم للتصدي لـ”احتلال القدرة” فضلا عن النهضة الفكرية والسياسية الضرورتين… نحتاج إلى ثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة، كلما تقدمنا فيها زاد أملنا في الصمود والبقاء وكلما تأخرنا وضعنا أنفسنا أكثر في دائرة الخطر…