مرسي رئيس ديمقراطي.. وكان يحرص على عدم إراقة دماء المصريين
رفض وزير العدل المصري الأسبق، المستشار أحمد مكي، وصف أحداث “3 يوليو 2013” والتي صاحبها الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي، من سدة الحكم، بـ”الثورة”، واصفا ما حدث بأنه “انقلاب” قادته القوات المسلحة بمعاونة من أجهزة الدولة، وتحديدًا جهاز الشرطة، مشيرًا إلى أن وسائل التغيير أو التعديل الديمقراطي هي الانتخابات، وليست الإزاحة بالقوة، مستشهدًا بتولي وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسى، سدة الحكم، مؤكدا أنه في حال عدم تقلد أحد قيادات الجيش للمناصب، حينها كان سيُسمى ما حدث بـ”الانقلاب الحميد”.
وتطرق مكي في حواره مع “الشروق”، إلى حكم تصنيف الإخوان وحماس، على أنهما منظمتان إرهابيتان، واصفًا القرار بالخطأ الذي يدفع إلى خطر التحول الفعلي إلى الإرهاب، مشيرًا إلى أن الإرهاب ما هو إلا أحد ردود فعل على الاستبداد والديكتاتورية، مؤكدًا أنه من الصعب أن يحكم مدني مصر في التوقيت الحالي، في ظل تغوّل المؤسسة العسكرية وسيطرتها على أركان الدولة، كما تحدث عن عديد الأوضاع الأخرى.
بداية هناك من يصف ما حدث في 3 يوليو 2013 بأنه “انقلاب”، وآخر يراها “ثورة شعبية”، ما هو وصفك لها؟
في الحقيقة عندما يقود الجيش الأحداث، بمساعدة من أجهزة الدولة، بالإضافة لمساندة الشرطة، ثم نجد أحد قادة الجيش، مرشحًا للرئاسة، ثم رئيسًا للجمهورية، لا أجد وصفًا آخر سوى أن 3 يوليو 2013 انقلاب.
لكن الإحصائيات تشير إلى أن هناك ملايين من الشعب خرجت على مرسي، وأن ما حدث هو ثورة شعبية، خرجت لإسقاط الرئيس؟
أوافق على وجود رفض شعبي، ولكن وسائل التغيير أو تعديل الديمقراطية للرفض الشعبي هي الانتخابات المبكرة، وليست الإزاحة بالقوة.
تعليق السلطة الحالية حينها، أن الجيش لم يتدخل من أجل الطمع في السلطة، لكنه تدخل استجابة لمطالب الجماهير، وربط ذلك بما حدث في ثورة 25 يناير 2011، عندما تدخلت القوات المسلحة بشكل ضمني للإطاحة بمبارك أيضا؟
هناك طرقٌ لتدخل الجيش، ولعل سوار الذهب، قائد الجيش في السودان، خير مثال، عندما لاحظ رفضا جماهيريا للحكومة القائمة آنذاك “حكومة عبود”، فقاد انقلابًا أدى إلى الديمقراطية.
إذا كان المراد هو مجرد إزاحة رئيس مدني ليحل محله رئيس مدني أكثر قبولاً، عندما يقف الجيش عند هذا الحد، ولا يترشح أحد من قادته، حينها نتحدث عن انقلاب من أجل الشعب وليس طمعًا في السلطة، وأنا أعتقد أن الوضع لم يكن هكذا في مصر.
لو تدخل الجيش وأطاح بمرسي من سدة الحكم، ولم يتقلد أي مناصب في السلطة، في رأيك بماذا كنت تصف “3 يوليو”؟
انقلاب حميد.
في جميع الأحوال تراه انقلاباً؟
بالطبع هو انقلاب، تدخّل الجيش في الحياة السياسية خطر على الديمقراطية، إلا أن يكون من أجل إزاحة ديكتاتور، بقصد أن يستعيد الشعب حريته في اختيار حاكمه، وليس بأن يكون قائد الجيش هو المرشح للرئاسة.
من وجهة نظرك، هل يمكن أن يكون الحاكم وطنيا وفي نفس الوقت فاسدًا؟
بالتأكيد.. القرآن الكريم خير دليل على ذلك عندما قال الله: “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”، وفي موضع آخر “هل أنبّئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”، الحاكم في مصر يظن أنه يؤدي عمله في سبيل الخير للوطن، لكنه في الحقيقة يُحدِث أضرارًا، بدءًا من الرئيس جمال عبد الناصر نفسه، وحتى الآن.
الطبيعى أنه لا يوجد رئيس لا يخطئ، ولا يوجد أي شخص في أي منصب لا يخطئ، ولكن حينما يكون فاسداً فهو ينتهج الفساد في قراراته وفي جميع مؤسسات الدولة، كيف يتساوى المخطئ والفاسد من وجهة نظرك؟
أنا أسميه خطأ، التعذيب خطأ، البقاء في الحكم 30 سنة خطأ، تزوير الانتخابات خطأ، تقييد المؤسسات وحرية التداول وحرية المعلومات خطأ، تكبيل القضاء وعدم استقلاله خطأ، جميعها أخطاء.
في رأيك هل حكم تصنيف الإخوان وحماس، على أنهما منظمتان إرهابيتان، صواب أم خطأ؟
خطأ بالطبع، في الحقيقة مع كل هذا الضغط، أنت تدفعهما إلى خطر التحوّل الفعلي إلى الإرهاب، وما الإرهاب إلا أحد ردود فعل على الاستبداد، لا يوجد إرهابٌ منظم قائم في بلد ومستشري على هذه النحو إلا إذا كانت بلداً ديكتاتورية.
لاحظ: أين مقر الإرهاب؟ أين المناطق المنتِجة له؟ الإنجليزي سيتحول إلى إرهابي لماذا؟ الذي يمارس الإرهاب يفعل ذلك بسبب تفشي الاستبداد.
لكن أصابع الاتهام دائما تشير إلى تورط جماعة الإخوان، وحماس، في التفجيرات المتتالية، والعمليات الإرهابية في سيناء، بمشاركة جماعة أنصار بيت المقدس، السلطة والإعلام يؤكدان باستمرار تورط الإخوان.. إن كانت فعلا كذلك تعتبر جماعة إرهابية، ما هو ردك على تلك الادعاءات؟
أعتقد بوجود صلة مباشرة بين الإخوان، بالتأكيد هناك احتمال أن يكون هناك مجرد أفراد منتمين للجماعة، ولكن الأصل في دعوة الإخوان أنها في الأغلب مسالمة، إلا أن يقع أحد منها في أعمال تنطوي على العنف، في أوقات الاستبداد، كما توجد أوقات الضغط ينمو التوجه إلى العنف، فإذا قبضت على شخص مثل شكري مصطفى، وعذبته في السجن، فيؤسس تنظيم “الجهاد” بعد خروجه من السجن، الإرهاب دائما ما يكون رد فعل للضغط.
تقصد أنه أحيانا الأسلوب الأمني الغليظ، والقمع، قد يؤدي إلى تطرف بعض الأشخاص؟
حتما سيؤدي إلى التطرف، لا وجود للاحتمالات.
لكن في جميع الأحوال ليست مبرراً للتطرف؟
بالتأكيد.. التطرف خطرٌ وخطأ، لكن أحياناً أسمع من بعض الإخوان أقوالاً متطرّفة، تصل إلى رفض التفاهم، في حديث سابق قلت: “لو طلب مني الرئيس السيسي المشورة سأعطيه”، ناس اعترضت واحتجت عليّ: كيف تقول هذا الكلام؟
سيدنا علي ومعاوية لما اختلفا، اتفقا على التحكيم، وأفسد الخوارج الحوار، بقتلهم سيدنا علي.
كنت وزيرًا في حكومة الرئيس محمد مرسي وكان لك الكثير من التحفظات، وقلت في أحد التصريحات أنك لا تحب رجوع الإخوان إلى الحكم مرة أخرى، مشيرًا إلى أنهم ليسوا على دراية بشؤون الحكم، لماذا؟
أنا لا أتمنى رجوعهم، ليس ضيقاً منهم وإنما نصيحة، حيث من الصعب أن يحكم مدنيٌ مصر في الوقت الحالي، أي مدني مهما كان توجّهه، في ظل تغوّل المؤسسة المدنية والعسكرية، دون رضاها، لذلك لابد من التنسيق معها ولابد من رضاها، وأتوقع لها أن ترضى.
عفوا، تتوقع أن ترضى أم لا تتوقع؟
جيش مصر وطنيٌ، وليس جيشا عميلا، وهو حريصٌ على الدولة، ومما الذي لا شك فيه أن جيش مصر يرى أن تولي مدنى للحكم في البلاد سيضعف القوات المسلحة، ولكن السؤال ما هي مهمة الجيش؟ هي الدفاع عن الوطن ضد العدو الخارجي، لذلك لابد أن يتفرّغ لهذه المهمة، جميع الجيوش القوية تتواجد في الدول المدنية، وحكومتها مدنية، يتفرغ فيها الجيش لمجابهة العدو.
لكن لماذا ترى أنه من الصعب أن يحكم مصر مدنيٌ في هذه الفترة؟
ليس هناك مؤسسات مدنية، ولا خبرة خارج إطار الإدارة الحكومية، يعني ليس ثمّة أحزاب قوية، ليس هناك جامعة، ولا أزهر، ليس ثمّة مؤسسات مجتمع مدني، وجميعهم عماد الحاكم المدني، بالإضافة إلى أن الرأي العام مليء بالشكوك والجهالة نتيجة حجب المعلومات، معظم المصريين لا يعرفون خلفيات الأحداث وملابساتها، ويصدقون أي أوهام.
من أجل وجود حاكم مدني، لابد من وجود مؤسسات، لا يكفي أنك تنتخب رئيسا ليكون رئيسا جيدا، لا بد من مراكز خبرة، ومؤسسات تضع سياسة، وترسم الخطط.
هل معنى حديثك أنك تفضل أن يكون حاكم مصر في هذه الفترة رجلا عسكريا؟
أنا ضد حكم القوات المسلحة على طول الخط، بدءًا من سنة 1952، بدأنا نتراجع لهذا السبب، لذلك لابد أن يكون الحاكم المدني، متفاهماً مع الجيش، ينبغي أن يؤثر بأن ينسحب من الحياة المدنية بكافة صورها ويتفرغ للعمل العسكرى.
للعلم، الرئيس السيسي قال لي ذلك أثناء وجودي وزيرًا للعدل، كانت توجد مشكلة أمنية في المحاكم، تمتد إلى الاضطراب، الأمن في المحاكم ليس أمن القاضي فقط، بل أمن المتقاضي، والشهود، حين طالبتُ الرئيس السيسي، بالاستعانة بالشرطة العسكرية، ولو في صورة رمزية لاستعادة الأمن، رفض ذلك، قائلا: “الجيش صورته تضررت من وجوده في الحياة المدنية.. لابد أن يعود إلى ثكناته ولابد أن تكون مهمته الأصيلة الدفاع، خاصة والبلد تحيطه الأخطار”.
ما رأيك في محاكمة الرئيس مرسي في قضية “قصر الاتحادية”، خاصة وأنت كنت شاهداً عليها؟
لست شاهدًا على القضية، أنا شاهد على جلسة حضرتها عقب اقتحام قصر الاتحادية، “كنت جالسا فيها أنا والفريق أول السيسي، وزير الدفاع حينها، واللواء أحمد جمال الدين، وقائد الحرس الجمهوري، وكان الجميع يتحدث عن كيفية فض الاعتصام المحاصِر لقصر الاتحادية، وأبدى الحرس الجمهوري استعداده لإطلاق النار لو حاول أحد الاقتحام، فقال الرئيس مرسى “إلا الدم.. إلا الدم”.
كيف تقيّم محاكمة مرسي في كل القضايا التي يحاكم فيها؟
أنا غير مطمئن لإجراءاتها، أظن أن الرئيس مرسي الذي شهدته وعرفته، رئيس ديمقراطي حريص على سماع الآراء، وليس من الضرورى أن يعمل بها، أنا كفيل بآرائي، وكنت أعلنها في جميع وسائل الإعلام ولم يؤثر ذلك في علاقتي به على الإطلاق.
في رأيك ما هي أهم التحديات التي تواجه الرئيس السيسي في الفترة الحالية؟
مصر لها مطلب واحد وهو الديمقراطية.. الديمقراطية هي البند السادس في ثورة 1952 التي لم تفلح في تحقيقه، كل هدف الناس، إذا كانت هناك ديكتاتورية لن تلاقي قوتاً، سرّ تخلف مصر والمنطقة العربية هو عدم تحقيق الديمقراطية.
ما هو السبيل من وجهة نظرك لتحقيق الديمقراطية؟
ليس هناك سبيلٌ وحيد، هناك أكثر من سبيل، أولا حرية تداول المعلومات، تحرير الإعلام، وليس إعلاما عميلا وموجّها، بالإضافة إلى تحريم الكذب لأنه يقتل أي أمّة، صيانة استقلال القضاء، وحرية تكوين الجمعيات والنقابات والجامعات، حرية الفكر، وحرية الإنسان، وغيرها من السبل التي تحتاج إلى حديث مطوّل إذا أردنا أن نبني.