الشروق العربي
هكذا تؤثر مشاهد العنف والدمار على حياتنا

مرضى وأصحاء يعانون من تدهور سلوكهم وصحتهم النفسية والبدنية

نسيبة انتصار علال
  • 904
  • 0

لقد أصبحت الإنترنت ومنافذ التكنولوجيا الأخرى التي نمتلك أصنافا متنوعة منها، وسيلة لإيصال مشاهد العنف والدمار أينما كنا، ومهما كانت حالتنا النفسية، ومن كثرة التعرض اليومي والكثيف لها، أصبحت تبدو شبه عادية ظاهريا، غير أن آثارها العميقة في ذوات النفس البشرية لابد من أن تظهر عاجلا أم أجلا.

المرضى يعانون أكثر، والأصحاء يصابون بالمرض

بقصد أو من دونه، يتلقى أغلب البشر محتويات العنف والدمار في عصرنا، عبر تطبيقات هواتفهم أو من خلال الحصص والبرامج التلفزيونية، بعض هؤلاء أشخاص مصابون بأمراض متنوعة كاضطرابات القلب، السكري ضغط الدم، وأمراض خبيثة كالسرطان.. لكن طبيعتهم البشرية الفضولية غالبا ما تدفعهم لمشاهدة المزيد، ولعل خير مثال، ما يحدث مؤخرا في قطاع غزة من إبادة جماعية وتسليط الإعلام وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي كاميراتها على مشاهد الدمار العمراني وصور الموتى والأشلاء ونشرها قطعا تدمى لها القلوب لأهالي ضحايا يبكون أبناءهم وأهاليهم، فالجميع ممن يملكون إنسانية عالية يشاهدون بحسرة ويشاركون محتويات من هذا النوع لتنتشر أكثر، دون دراية بآثارها النفسية على المرضى والأصحاء.

إن مشاركة تلك الصور باتت سلوكا نابعا عن حس مجتمعي وانتماء، ونوع من المسؤولية تجاه هذه القضية، تماما كما هو الأمر حيال قضايا العنف ضد النساء أو الأطفال مثلا، وإنه حتى وإن كان لهذه المشاهد تأثير سلبي قوي جدا، فلن يكون ببشاعة ما يعانيه الناس هناك، وفي بقاع مختلفة أخرى من العنف والإذلال.. مع هذا، ينصح أطباء بتوخي الحذر الشديد، حيث يكشف الدكتور إبراهيم فؤاد، طبيب عام: “منذ العدوان الأخير الذي مس قطاع غزة، زادت الحالات المستعجلة في مستشفياتنا، فقد سجلنا ارتفاعا عرف تراجعا تدريجيا في ما بعد، لحالات الهلع والأرق واضطرابات في ضغط الدم مع نوبات قلبية لدى المرضى، حتى الأشخاص العاديون غير المصابين بأي مرض مسبق، فقد نقلت إلينا حالات إغماء كثيرة وتعاني من انقطاع تام في الشهية، دون أن يصرح أصحابها بالسبب..”

وقعها على السلوك المجتمعي

بداية من مسلسلات الكارتون التي يستهلكها أطفالنا بنهم يوميا، مرورا بالفيديوهات والكاميرا الخفية، وحسابات المواقع المختلفة، وصولا إلى الأفلام التي نسهر على وقائعها قبل النوم، أشكال مختلفة للعنف نستقبلها يوميا، بعضنا لا يملك القدرة على متابعة الكثير من تفاصيلها، فيما لا يقاوم إثارتها الكثير، هي ومن دون شك لها تأثيراتها قريبة وبعيدة المدى، ومن شأنها أن تغير نظرتنا تجاه الأشخاص والأشياء، حتى إن مختصين يؤكدون على أن محتويات العنف والاعتياد على مشاهدة الفساد والدمار والموت، يعتبر المسؤول الأول عن خلق نزعة الأنانية في الفرد، ويساهم بشكل واضح أيضا في تعزيز السلوك العدواني مع الغير، والأبشع من هذا، أنها ومع التكرار، تبرد القلب وتلغي العديد من القيم الإنسانية، عكس ما تبدأ عليه، فالمتعاطفون مع قضية ما والمتأثرون بها، هم عادة أكثر الناس مشاهدة لمخلفاتها، كأن تتأثر إحداهن بالعنف ضد المرأة وتستمر في تلقي المحتويات التي تظهر الضرب والتعنيف، ومع التحليل والتعمق في القضية، يمكن أن تصبح السيدة في حد ذاتها ناقمة على النساء المعنفات وعلى ضعفهن في المواجهة، وتصبح أكثر من ينتقد وضعهن الاجتماعي والثقافي، وقد يبدو لها الأمر عاديا مع مرور الوقت، عندما تلاحظ أن الكثير من النساء يتعرضن للتعنيف ثم يعدن إلى الحياة العادية.

من جانب آخر، تفيد دراسات بأن للمشاهد العنيفة جانبا إيجابيا، غير ذلك السلبي الذي يراه الجميع، فالصور والفيديوهات التي تنقل الواقع وحتى المقاطع التمثيلية تساعد الفرد في بناء تصور عام عن السلوك البشري، في العصر الذي يعيش فيه، ويكون لديه الصورة الواقعية لما يعانيه بشر آخرون في أماكن مختلفة، ليتمكن تبعا لذلك من التصرف والتفكير وتكوين وجهات نظره وقناعاته ومواقفه، دون الانعزال عن المجتمع أو الانفصام عن ذاته.

مقالات ذات صلة