مرضى يستفيقون أثناء “التشريح” وآخرون يبحثون عن أعضائهم!
تعتبر الجراحة بالمنظار إحدى التقنيات المتطورة في عالم الجراحة، وبالرغم من أنها قطعت أشواطا متقدمة في البلدان الغربية، إلا أنها لا تزال متأخرة في الجزائر، وهذا بسبب التكاليف الباهظة للمعدات التي تعتمد عليها، حيث تستغرق فترة الحصول على موعد لعملية جراحية باستعمال المنظار مدة تتراوح بين ستة أشهر وعام كامل، “الشروق” دخلت مصلحة الجراحة العامة بالمستشفى الجامعي مصطفى باشا وحضرت في غرفة العمليات واطلعت على التقنية الحديثة عن قرب..
استقبلنا البروفيسور عثمان بن حديد المختص في جراحة الجهاز الهضمي والغدد بمكتبه في مصلحة الجراحة العامة “أ” وحدثنا عن أهم المعطيات والمعلومات التي دارت في أذهاننا فيما يخص موضوع الجراحة بالمنظار الذي يطرح عند الكثيرين العديد من التساؤلات عن كيفية إجراء هذا النوع من العمليات ونجاحها مقارنة بالعمليات الكلاسيكية أو التقليدية وغيرها من الأسئلة التي أجابنا عنها البروفيسور بطريقة مفصلة…
قبل دخولنا إلى غرفة العمليات لم تكن لدينا الرهبة المعتادة التي رافقتنا أثناء عملية تشريح الجثة بما أن العملية تتعلق بجراحة حديثة يستعمل فيها المنظار كآلة وحيدة ولن تكون فيها الدماء والأعضاء البشرية ظاهرة للعيان، إلا أننا اصطدمنا بتغيير نوع العملية الجراحية إلى عملية كلاسيكية، استعملت فيها كل الوسائل والآلات الحادة من مقص وسكين التشريح وغيرها من الوسائل التي تعتبر ضرورية في أي عملية جراحية عادية.

كان الطاقم الطبي يستعد للالتحاق بغرفة العمليات رقم واحد بما أنه كانت مبرمجة في نفس الوقت ثلاث عمليات كلاسيكية إضافة إلى العملية الجراحية باستعمال المنظار التي كنا بصدد حضورها، وهنا انتهزنا الفرصة للحديث إلى المراقب الطبي العام لمصلحة الجراحة العامة مراد سيدار الذي أخبرنا بأهم الأمور التقنية التي تسبق العملية الجراحية وكذا ما يليها، حيث قال انه يتم تسجيل أسماء الطاقم الطبي المشارك في العملية وكذا استلام تذكرة الغرفة التي تعتبر بمثابة جواز السفر الخاص بالمريض لدخول غرفة العمليات والخضوع للجراحة، وكذا الملف الطبي للمريض الذي يجب أن يكون قد مر بكافة المراحل التي تتعلق بمعايناته الدورية من قبل الطبيب المتابع لحالته الصحية، إضافة إلى التحاليل الطبية والأشعة.
وكشف لنا المتحدث أنه بعد الانتهاء من العملية الجراحية يتم تسجيل العضو الذي تم استئصاله وفق رمز خاص ويؤخذ إلى مخبر لتحليله ويعاد مرة أخرى إلى مصلحة الجراحة العامة مع نتائج التحاليل حتى يتمكن الطبيب من متابعة حالة المريض في حال وجود أمراض مزمنة أو غيرها وتوجيهه إلى المصلحة الخاصة، وفيما يخص الأيدي والأرجل إذا كانت ميتة كليا تؤخذ إلى مصلحة حفظ الجثث، ثم تنقل إلى مصلحة خاصة بحرق الأعضاء داخل المستشفى.
الكل جاهز ونحن كذلك بعد أن ارتدينا السترة الخاصة وهي عبارة عن قميص ازرق وسروال إضافة إلى أغطية للحذاء وغطاء للرأس وواق للأنف، وبعد تحضير المريض البالغ من العمر 63 سنة والذي يعاني من الحصى في المرارة وتخديره دخل الطاقم الطبي لتحضير جهاز المنظار، ليغير الجراح نوع العملية في آخر لحظة، لأن المريض سبق وأن أجرى عملية جراحية كلاسيكية، وهنا قال لنا إن أعضاءه تكون ملتصقة ببعضها ومن ثم من الصعب إجراء العملية بالمنظار.
المريض يستفيق ويحدث حالة طوارئ
بدأ البروفيسور بن حديد رفقة جراحين مساعدين بشق بطن المريض باستعمال جهاز خاص وباستعمال عازلين معدنيين قام بفصل الفتحة جيدا حتى تبقى مفتوحة ويسهل عليه استئصال المرارة، وفي هذه اللحظات كانت الممرضة تناوله الأدوات على غرار المقص والمثبتات وكذا الضمادات، هذه الأخيرة كان الجراح ينظف بها الدم الذي لم يتوقف طيلة فترة العملية التي استغرقت ساعة كاملة اضطررت فيها للخروج بين الفينة والأخرى، لأن رائحة الدماء كانت قوية ومنظر البخار المتصاعد من بطن المريض كان يشعرني بالغثيان.
كان الجراح مستغرقا في التنقيب إن صح التعبير عن المرارة ولا يجب الخطأ في العضو المقصود وبعد أن امسكها بالمقص، حدث ما لم يكن في الحسبان، المريض يستفيق، وهنا صرخ بن حديد في وجه الممرضة المكلفة بالتخدير “أسرعي، المريض يستفيق، عليك حقنه بجرعة أخرى”، وهنا سألناه كيف عرف أنه يستفيق، فقال إن أعضاءه كلها تقلصت وأصبح من الصعب الإمساك بها، وبعد أن حقنته الممرضة عاد إلى غيبوبته وتمكن الجراح من استئصال المرارة ووضعها على الطاولة.
وهنا تقدمت الممرضة الثانية بإناء معدني يحتوي على السيروم وبدأ الجراح بتنظيف بطن المريض باستعمال الضمادات وكذا كي المكان الذي استئصلت منه المرارة باستعمال جهاز خاص يشبه “الشاليمو” إلى حد كبير.
بعد أن انتهى البروفيسور بن حديد من تنظيف بطن المريض، أمسك الخيط لخياطة الجرح، حيث انتهى من خياطته داخليا ومنح الخيط لمساعدتيه لإكمال بقية العملية بخياطته من الخارج.
خرجنا رفقته من غرفة العمليات، وقال إن تحويل نوع العملية كان ضروريا، لأنه لا يمكن المخاطرة بحياة المريض باستعمال تقنية المنظار وقد خضع من قبل لعملية كلاسيكية إضافة إلى أن المساعدتين لا تملكان الخبرة الكافية للقيام بعملية المنظار في هذه الحالة.
يبحث عن جزء من كبده بعد استئصاله في عملية جراحية
ومن الأمور التي تحدث بكثرة حسب ما حدثنا به المراقب العام هو سوء التفاهم الذي يحدث أحيانا بين الجراح وبينهم أثناء تسجيل العضو المستأصل، ففي بعض الأحيان ينسى الجراح تسجيل العضو الذي تم استئصاله، ليجد المريض نفسه في رحلة بحث عن هذا العضو الذي من المفروض أن يؤخذ إلى المخبر لتحليله، وهنا يخبره المكلفون بتسجيل تفاصيل العملية الجراحية أنه لم يتم استئصال أي عضو، إلا أنه يؤكد أنه خضع لعملية استئصال، وهذا ما وقع مع أحد المرضى الذي اتجه إلى المخبر بعد شهرين للحصول على تحاليل فحص جزء من كبده الذي تم استئصاله في عملية جراحية كلاسيكية، إلا أنه اصطدم بعدم استلامهم للعضو الذي يبحث عنه، وعند عودته للمصلحة الخاصة بتسجيل الأعضاء المستأصلة في المستشفى، أخبره المشرف هناك أنه لم يتم تسجيل هذا العضو من طرف الجراح، ومن ثم فهو لم يخضع لعملية استئصال، إلا أنه أكد على خضوعه لها، ليتم اكتشاف فيما بعد أنه قد تم رميها سهوا مع الضمادات، ليلجأ المريض إلى العدالة لمقاضاة المستشفى.
مريض يفتح بطنه ويغلق دون خضوعه للعملية
وفي حادثة أخرى أخبرنا المتحدث أن أحد المرضى الذي كان من المفروض أن يخضع لعملية جراحية خاصة باستئصال كليته المريضة، لم تجر له العملية، لأن الجراح وجد أن السرطان متقدم جدا، وأكد أنه سيموت في غضون شهر واحد، ومن ثم لا داعي لإخضاعه للجراحة، وبعد أن فتح بطنه أغلقه ثانية دون أن يقوم باستئصال الكلية ظنا منه أن المريض سيموت، ليفاجأ به يعود بعد أربعة أشهر يطالب بتحاليل كليته، وهنا وجد الجراح نفسه في مأزق أمام إصرار المريض على الحصول على نتائج التحاليل، ليضطر هو الآخر للجوء إلى العدالة، وهي من الأمور التي تحدث كثيرا حسب ما صرح به محدثنا، فالمتابعات القضائية تطال العديد من الأطباء والممرضين وحتى الإداريين في عديد المؤسسات الاستشفائية نتيجة خطأ ارتكبه أو نظرا لسهوه.
مريضة خضعت لعملية استئصال المرارة تثمن استعمال هذه التقنية
خرجنا من مكتب البروفيسور بن حديد ورافقنا هذا الأخير داخل المصلحة التي تضم المرضى الذين خضعوا للجراحة بالمنظار بالأمس أو في صبيحة هذا اليوم، وكان لنا حديث مع سيدة في الستينات من العمر من باب الزوار، أشارت إلى بطنها، حيث لاحظنا الثقوب، وقالت لنا إنها خضعت لعملية استئصال المرارة بعد أن نصحها الطبيب بذلك، لأنها إذا ما احتفظت بها يمكن أن تتسبب لها في خلق ورم سرطاني، مؤكدة أنه بالرغم من الألم الذي شعرت به بعد استفاقتها، لكنه لم يدم طويلا، وأنها تثمن استعمال المنظار في استئصال المرارة، لأن الآثار لا تبقى على البطن، ناهيك عن قدرتها على المشي مقارنة بالخضوع للعمليات الجراحية العادية التي تستغرق أياما لكي يلتئم الجرح.
ما هي الجراحة بالمنظار؟
أول سؤال طرحناه على البروفيسور يتعلق بماهية الجراحة بالمنظار؟ فأجاب أنها طريقة حديثة قديمة في عالم الجراحة، تهدف للوصول إلى العضو المراد إجراء الجراحة عليه، من خلال إحداث ثقوب صغيرة لاستئصاله من غير المساس بجدار البطن أو الجهاز التنفسي مثل ما جرت عليه العادة في العمليات الجراحية الكلاسيكية.
التقنية اعتمدت أول مرة في الجزائر عام 1993 ولازالت متأخرة
كشف البروفيسور بن حديد أن أول مرة تم فيها اعتماد تقنية الجراحة بالمنظار في الجزائر كانت عام 1993 بالمستشفى العسكري في وهران، وكانت قد بدأت تستعمل في الجراحة الخاصة بنزع الحصى من المرارة واستئصال هذه الأخيرة كليا، ثم تطورت لتشمل مجموعة من التخصصات الأخرى، التي تكون فيها هذه الطريقة أفضل بكثير من الجراحة التقليدية.
هذه هي الأمراض التي تعتمد فيها الجراحة بالمنظار
وعن أهم الأمراض التي تعتمد فيها طريقة الجراحة بالمنظار، أوضح البروفيسور بن حديد أنها المتعلقة بالجهاز الهضمي والتنفسي والغدد وحتى الأورام السرطانية، وكذلك تستعمل أحيانا في بعض الأورام التي تصيب المخ، ومن أهمها أمراض المعدة، الكبد، البنكرياس، القولون، المستقيم، الرئتين، الأوعية الدموية، وكذا أمراض المبيض واستئصال الرحم عند النساء، قائلا أنه توجد بعض الحالات لا يمكن استعمال المنظار فيها على غرار التهاب المرارة والسرطان.


