منوعات
"الشروق" تزور عائلة معاقين منسية متكونة من 9 أفراد بباتنة

مرض خبيث يفتت عظامهم و”الحمار” والخبز قوتهم .. كل أربعة أيام

الشروق أونلاين
  • 36240
  • 187
مكتب الشروق بباتنة
أفراد العائلة ينتظرون الموت

بينما كانت دعوات الحضور للتجمعات الانتخابية الشعبية تصلنا تباعا إلى مكتب الشروق اليومي بباتنة، فضلنا أن نستريح من همّ السياسة ووعودها، أو بعبارة أدق أن نتعذب بنقل مأساة عائلة لم نكن نتصور أن المرض والإعاقة بإمكانها أن تفتك بها كما فعلت، ولم نكن نتصور أن الفقر بإمكانه أن يرسم صورة أفضع من التي رأيناها.

كان علينا أن نقطع مسافة حوالى 60 كلم من باتنة إلى أولاد عوف بدائرة عين التوتة، ثم 5 كلم مشيا على الأقدام مدة ساعة من الزمن وسط مناطق جبلية وعرة لم تطأها عجلة سيارة في التاريخ أبدا، لنصل الى عائلة المعذبين في الأرض أو المنسيين فوق الأرض في جزائر الألفية الثالثة حيث الوعود الانتخابية هي التي تصنع الحدث هذه الأيام، إذ تقيم عائلة بعالة التي تحصي تسعة أفراد يعاني ستة منهم من الإعاقة بسبب مرض ترقق العظام، فيما يعاني الوالد السعيد بعالة 82 سنة من إعاقة بصرية ومن آثار عمليتين جراحيتين على المعي الغليظ حولته الى شبح إنسان، كما تزاحمت الأمراض المختلفة من ضغط الدم ومرض القلب على الأم بوحساية فاطمة 57 سنة التي صارت تعان هي أيضا من إعاقة نفسية بسبب ظروف معيشية قاهرة وحالة متدهورة جدا لأربعة من أبنائها المعوقين بينهم ثلاث فتيات قالت إنها كانت تحلم بتزويجهن ككل بنات العالم؟

يقول الوالد السعيد الذي وجدناه يرعى غنم بعض الموالين مقابل دراهم معدودة قرب كوخه الذي لا يتوفر على الماء والكهرباء والغاز، كان يرتدي قبعة صنعها من البلاستيك ويرتدي حذاء تعيسا ويربط سرواله بقطع من الخيوط جعلت منه إنسانا تجزم أنه قطعة من البؤس والفقر لبست جثة انسان أو فزاعة تعيش في عصر ما قبل الاستقلال او حتى قبل الاستعمار، رغم أنه خدم الثورة بالمنزل الذي لا يزال شاهدا على بعض كازمات كان يخبئ فيها مجاهدي ثورة التحرير، رغم ذلك فهو لا يجد ما يأكل من الخبز حيث قال ببراءة اهل الجبل: “يحدث أن لا أتناول شيئا مدة أربعة أيام كاملة، فأنا لا أتقاضى سوى منحة بطالة بـ 3000 دج شهريا، بالإضافة الى ما يجود به علي أصحاب رؤوس الأغنام مقابل رعي مواشيهم.. حينما يكون لدي بعض المال لا أجد من يطهو الطعام بسبب إعاقة بناتي وتدهور صحة زوجتي” تنهد ثم أضاف: “أحيانا لا استطيع المشي لرعي الغنم، وإذا لم اضبط بطني بهذه القطعة تخرج إحشائي إلى الخارج من شدة الألم المعوي بعد إجراء عمليتين جراحيتين، لكنني مضطر لفعل ذلك لجلب جذوع الاشجار للاحتطاب وطهي الطعام”، وأي طعام غير الدقيق والحليب وشيء من البن؟


تكسر العظام وانتفاخ الأقدام حرمت العائلة من الدراسة

في الواقع أنت تتخيل نفسك أنك خارج الزمن ونحن في زمن المعلوماتية والشبكات العنكبوتية وخارج المكان في هذا المكان الضائع بين بلديتي أولاد عوف وسفيان، لا وجود لوسيلة نقل غير الأحمرة التي تنقل البشر وسط المسالك الجبلية الى غاية الطريق الواقع قرب تيفران الشرقية أو واد أفرشة على مسافة 5 كلم، ودفعت العائلة المنسية أخطاء البشر وتعقد الجغرافيا ثمنا باهظا، حيث يعاني كل من ابراهيم من اعاقة في اليد اليسرى بنسبة مائة بالمائة وهو متزوج لكنه بطال، يشتغل يوما ويتوقف عشرا.

غير أن الحالات الأكثر مأسوية هي حالة ربيعة 30 سنة التي تعاني من إعاقة كاملة زائد نقص السمع والنطق، وأجرت عمليتين جراحيتين في الرجلين معا، مثلها مثل جوهرة 30 سنة المعاقة بنسبة كاملة في الرجلين واليدين زائد ضيق التنفس وقصر القامة، ثم مسعودة 28 سنة المعاقة بنسبة مئوية كاملة زائد قصر القامة واضطراب في النطق وقصر القامة، ثم حمزة 20 سنة ويعاني من اعاقة كاملة في الرجلين واضطراب في النطق والسمع والتنفس.

لقد كان انتقالنا من فرد إلى آخر أشبه بالتجوال في مستشفى جمع ضحايا حرب مدمرة، وليست الإعاقة قاسم البؤس المشترك فهم جميعهم أميون لم يجلسوا يوما واحدا في مقاعد الدراسة، تكتشف ذلك للوهلة الأولى، فهم يجدون صعوبة بالغة في نطق الحروف ولا يعرفون بالتحديد أعمارهم، يقولون لك جميعا إن الإعاقة حرمتهم من المشي، ومع أن حمزة يمشي قليلا لكنه يتعب بسبب ترقق العظام، لذلك لم يستطع الالتحاق بالدراسة لعدم وجود طريق حيث يعد الحمار وسيلة النقل الوحيدة، في حين قالت البنات الثلاث إنهن عانين من انتفاخ العظم ثم تشققه وتكسره، إذ يحدث أن تسقط الواحدة منهن على حين غرة بسبب الكسر الطارئ، وأغلبهن خضعن ويخضعن لعمليات جراحية وشد العظم بالجبس بعدما تحولت قاماتهن الصغيرة إلى مسرح عمليات جراحية لتقويم العظم بمماسك ودعائم، حيث لا تزال جوهرة، التي تعاني من تقلص في حجم عظمة الجمجمة، طريحة الفراش بعد شهور من وضع الجبس إثر تكسر في عظمة الرجل منذ ستة أشهر دون برء ظاهر، كما تعاني من صعوبة الحياة التي يضطر في ظلها نقل المرضى على ظهر حمار مسافة 5 كلم بين المسالك حتى الوصول الى الطريق وانتظار سيارة تأتي أو قد لا تأتي لنقلهم الى عين التوتة وباتنة.


البنات المقعدات يتمنين الموت.. والوالد يتمنى سكنا ويحمد الله

دفعت هذه الظروف المأسوية العائلة المنسية إلى التشرذم والتشتت حيث تقيم الوالدة رفقة جوهرة ومسعودة وحمزة وابراهيم في منزل قيل لنا إنه لأحد أقاربهم بطريق تازولت ليكونوا بالقرب من المستشفى والأطباء استعدادا لأي طارئ بعدما صار تكسر عظامهم أمرا مألوفا، حتى أن والدتهم التي تعاني جملة من الأمراض بكت بحرقة أمامنا وهي تقول “ما يؤلمني هو ألم بناتي المقعدات وهن يرين أنني أتدبر جميع شؤونهن حتى قضاء حوائجهن الطبيعية، وهن يتمنين الموت والرحيل من هذا العالم حتى لا تستمر مأساتنا المزمنة من مرض والبؤس والفقر الشديد والحياة المعدمة”، في حين لا يزال الوالد يعيش رفقة ابنته زوينة 26 سنة الأمية والابن أحمد 24 سنة في الكوخ الواقع خارج مجال تغطية الحياة بمنطقة أغنجة بأولاد عوف، غير أن الذي فاجأنا أنه رغم حالة المعذبين في الأرض التي كانت محل تحقيق اجتماعي قامت به الخلية الجوارية لعين التوتة العام 2011، فقد جزم الوالد الذي كان يردد مقولة “اللي ما عندوش الوالي يموت في الشعبة مردوم” طيلة الساعات التي قضيناها معه أنه يحمد الله على كل شيء، ولا يتمنى الموت رغم أن حياته ليس فيها ما يدل على أنها حياة تستحق ذكر لفظة حياة، بل انزعج وبقي في نفسه شيء من اللوم بعدما تعذر علينا الغداء معه رغم إلحاحة على ذلك، لكن مطلبه البسيط والوحيد أن ترحمه السلطات بمنزل في أولاد عوف أو عين التوتة ليقرب ابناءه المعوقين والمشتتين من المصحات والأطباء.

مقالات ذات صلة