-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في‭ ‬السياسة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الحياة

مسافة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الغايات‭ ‬والواجب‭ ‬عمله

صالح عوض
  • 4466
  • 0
مسافة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الغايات‭ ‬والواجب‭ ‬عمله

لا يقبل من أي واحد أن يتلو علينا خطابه بأن مجرد تشكل الجنين يعني أن هناك إنسانا يقوم بمهماته ويواجه تحديات الحياة.. صحيح أن هذا الجنين نقطة ارتكاز ضرورية لتلك الغاية والتي لا تتم إلا به.. وغير مقبول كذلك أن يرفع أحدنا من الأثقال على كاهله ما لا تحتمل قدراته‭..‬‮ ‬ليس‭ ‬فقط،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬ولكن‭ ‬لأنه‭ ‬يعرض‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬الجنين‭ ‬الى‭ ‬الموت‭ ‬السريع‭ ‬ويعرض‭ ‬الجسم‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الثانية‭ ‬الى‭ ‬الانكسار‭ ‬والتشويه‭.‬

وفي الحياة كذلك الأمثلة تشهر برؤوسها في كل حين وفي كل مكان، وهي آيات من آيات الله الراسخات في الكون، فلا البذرة شجرة ولا الحجر بناية وإن كانت البذرة هي شرط وجود الشجرة وإن كان الحجر شرط تكامل البنيان..
 
وكما أن لكل تلك الأمثلة حيثياتها وشروطها والبيئة المناسبة لنموها وتكاملها فإن تلك الأمثلة تعني أن الحياة هي تفاعل التراكم نحو الهدف والغاية.. وتعني كذلك أن لا حياة بالتجاوز والقفز عن الواجب عمله.
 
ونحن كأبناء أمة في مواجهة التحديات الكثيرة المفروضة علينا وفي اللحظات الصعبة أخذنا بالشعار بعيدا عن تبصر الممكن عمله والممكن تحقيقه وهذا يخضع لحسابات علمية لا مجال للعاطفة والموقف النفسي فيها، ولم نستطع أن نصبر ونصابر ونتواصى بالصبر على الوعي والحقيقة فجرفتنا الغوغائية والفوضى فخسرنا الجولة تلو الجولة وما كان لنا أن نحقق شيئا ذا قيمة ونحن نخالف سنن الله في العمل ونعرض عن اياته البينات.. ولئن العدو أدرك منا ردات فعلنا وخططنا غير العلمية عمل دوما على جرنا إلى مربعات يشرف عليها ويتمكن من إدارة عناصرها لصالحه.
 
يصيب الارتباك كثيرين منا عندما يفقدون التمييز بين ما يؤمنون بأنه حق لهم وبين ما يمكن أن يحققونه ويتحركون في صناعة السياسة بروح الشعراء والخطباء ويقعون في الأخطاء القاتلة كذلك الذي تمنى أن يقوم الجنين بمهمات الرجل المتين أو كالذي يطلب من البذرة ثمرا لا تنتجه‭ ‬إلا‭ ‬الشجرة‭. ‬ليست‭ ‬الحسرة‭ ‬فقط‭ ‬تأكل‭ ‬قلبه‭ ‬ولكن‭ ‬الخيبة‭ ‬تهزم‭ ‬روحه‭ ‬وتنهار‭ ‬بقية‭ ‬قوته‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬سبيلا‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الخناق‭ ‬المطبق‭ ‬عليه‭.‬
والحمد له تعالى أننا أمة ذات مرجعية معرفية ثمينة في فلسفة الصراع وفهم إدارته وتحقيق الانتصارات ولقد كانت سيرة الرسول الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام مكثفة لدرجة معجزة أدبت العرب وهذبت سلوكهم ونزعت منهم اللامبالاة وجعلتهم قادة للعالم بلا تردد.
في سيرة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام تمسك بحقه في الوجود وبالإعلان عن معتقده، لكن في سيرته كذلك حسابات علمية دقيقة في التعامل مع الخصم وبناء للمواقف على أرضية من الوعي والحقائق.. ولازالت هذه السيرة تدرس للأطفال من أبنائنا ويترنم بها الكبار لكن دونما تدبر‭ ‬للخيط‭ ‬الناظم‭ ‬لها‭ ‬ولمنهجها‭ ‬العلمي‭ ‬الصائب‭.‬
 
في‭ ‬السياسة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬لاشيء‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الغاية‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬الواقعية‭ ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬توضع‭ ‬الأهداف‭ ‬كذلك‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬إنجازه‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬والجغرافيا‮.. ‬
نحن‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬قضايا‭ ‬الأمة‭ ‬الكثيرة‭ ‬أعرضنا‭ ‬عن‭ ‬النواميس‭ ‬والسنن‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬عديدة‭ ‬فكانت‭ ‬الخسارة‭ ‬حليفنا‭ ‬وتجرعنا‭ ‬الآلام‮.. ‬
يعترض على كلامنا هذا من لا يفرق بين السياسة والإيمان.. أي بين الحق والحقيقة.. وحتى يكون الأمر واضحا نضرب مثلا بين الأمر ويجلو عنه ضبابه، فكلنا يعرف قصة مواجهة المسلمين المؤمنين في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق لاسيما في القوقاز بقيادة الإمام شامل للنظام الشيوعي..لقد انتصر لينين الملحد على المسلمين ودمر شوكتهم فمن الذي انتصر؟ هل انتصر الإلحاد على الإيمان ؟؟ أم انتصر لينين على الإمام شامل؟؟ لاشيء من هذا.. إنما انتصر الإعداد والتنظيم والإمكانات والإدارة السليمة للصراع لدى الشيوعيين الملاحدة على الفوضى والشعارات‭ ‬وعدم‭ ‬الإدارة‭ ‬السليمة‭..‬‮ ‬إنها‭ ‬سنن‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وسننه‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬وسننه‭ ‬في‭ ‬السياسة‭.‬
 
إن هذا القول لا يدعو البتة إلى أي نوع من الدعة والسكون والهزيمة.. إنما هي دعوة لتوفير الوقت والجهد وتجنبا للكوارث.. كما أن هذا الكلام لا يعني تخفيف تركيز العقيدة وتكثيف الإيمان أبدا لأن مجال هذا الكلام إنما هو شيء آخر أن له علاقة عضوية بالممكن عمله والممكن‭ ‬المطالبة‭ ‬به‭ ‬والممكن‭ ‬الإعلان‭ ‬عنه‭.‬
 
والذي‭ ‬يؤسف‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خلطا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬الأدوار‭ ‬والمهمات‭ ‬واللغة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬السياسي‭ ‬شاعرا‭ ‬والمثقف‭ ‬سياسيا‭ ‬وبالعكس‭ ‬فيضيع‭ ‬الصواب‭ ‬وتستنزف‭ ‬الطاقات‭..‬‮ ‬وينتهي‭ ‬الأمر‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬مرثية‭ ‬بكائية‭ ‬لا‭ ‬مخرج‭ ‬لنا‭ ‬منها‭.‬
 
هنا لا يوجد اقتراح معين لعمل ما في مواجهة أية قضية من قضايانا إنما هنا دعوة للتدبر ولحسن الإدارة لإمكانياتنا وحسن الادارة لأشخاصنا وأفكارنا كي نعيش حالة من التطوير على كل الأصعدة ونحقق التراكم المطلوب والمتفاعل لكي ننجز نقاطا ضرورية على طريق تحقيق حريتنا واستقلالنا وأن كل مرحلة بما تكتنزه من معطيات وإمكانات وبيئة تمنح أبناءها الهداية لاكتشاف وسائلهم وترتيبها، ولا يجوز بأي منطق أن يعرض أصحاب الحق عن هذه الحسابات لأنهم حينذاك يعرضون أنفسهم وأهلهم للهلاك.
 
إنها دعوة للعمل الجاد والمسؤول والبناء بعيدا عن الثرثرة والفوضى.. وأن الشعوب جاهزة للخيارات الحقيقية ولكن دون أن نعرضها إلى مهالك وانزلاقات خطرة غير محسوبة.. فالمواجهات لابد أن تخضع للحسابات حتى نحقق انتصارات نحن بحاجة لها مهما صغرت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!