الرأي

مسودة لتبييض الذاكرة

عمار يزلي
  • 962
  • 3
ح.م

مناسبتان متلازمتان ومترابطتان، جاءت على ذكرهما مسودة مشروع التعديل الدستوري: حراك 22 فبراير 2019، “الأصيل والمبارك”، كما سماه رئيس الجمهورية، ومجازر 8 ماي 1945.

المتلازمة التخليدية دستوريا كما هو مقترح، تحمل أكثر من دلالة، وأكثر من إشارة إلى بداية عصر “الجزائر الجديدة”. فحراك 22 فبراير، يمكن اعتباره من الآن ميلادا ثانيا للجزائر المستقلة، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، خلافا لما كنا عليه منذ الاستقلال، رغم العمل العظيم الذي قام به الراحل هواري بومدين من أجل ضمان استقلال القرار الوطني وضمان السيادة المطلقة على ثروات البلاد ومقدراتها البشرية والاقتصادية والسياسية، وربح معركة الاكتفاء الذاتي وعدم الاعتماد على الخارج في كل صغيرة وكبيرة. هذا النهج الذي سينتهي بوفاة الراحل، وتعود القوى المرتبطة ذهنيا ومصلحيا وهيكليا بمستعمر الأمس ضمن ما كان يطلق عليه لوبي “حزب فرنسا”.

هذا التيار الذي استقوى وتغول بعد الاستقالة الإجبارية للرئيس الراحل الشاذلي في جانفي 92، وانتهاء الحلم الديمقراطي التعددي على علاته، ودخول البلد في نفق مظلم دامٍ فاسد، لم نخرج منه إلا بعد 22 فبراير 2020.

لهذا، فهذا التاريخ، يعتبر منعطفا تاريخيا مفصليا في تاريخ الجزائر المستقلة وبداية تأسيس لمرحلة جديدة ضمن تصور “للجزائر الجديدة”. لهذا، كان رئيس الجمهورية قد ألمح في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تخليد ودسترة هذا التاريخ حتى يبقى يوما وطنيا، مثله مثل 8 ماي 1945. هذا الأخير الذي كان أيضا حدثا مفصليا في تاريخ الجزائر المحتلة، وبداية رسم لخطوط مستقل “الجزائر الجديدة”: جزائر ما بعد الاحتلال. ذلك أن أحداث 8 ماي 45، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي أبانت للجميع: وطنيين، قوميين، علماء، لبراليين، يساريين، اندماجيين، الوجه الحقيقي للاحتلال وقواته الميلشياوية من المعمرين وقواتها الغاشمة التي كشفت عن وجهها وساقها، من خلال المجازر الممنهجة ضد متظاهرين مدنيين سلميين، ذنبهم أنهم طالبوا فرنسا بالوفاء بعهدها لمن قدموا أنفسهم قرابين لاستقلالها ودحرها للمحتل النازي.

دسترة هذه المناسبة، وربطها بحراك 22 فبراير، يؤكد التوجه الجديد للدولة الجزائرية. يتضح ذلك ليس في إقران المناسبتين وإقرارهما يومين وطنيين للذاكرة، بل يتجلى أيضا في الخطاب السياسي الجديد بشأن الذاكرة وفي إحياء الملف الذي بقي يراوح مكانه لسنوات. بل إن مشروع تجريم الاستعمار، الذي لا تشكل معه هذه المناسبة إلا واحدة فقط من آلاف الأحداث والمجاز التي اقترفتها أيادي الإجرام الاستعماري منذ الاحتلال سنة 1830، هذا المشروع بقي حبرا على ورق وحبيس الأدراج لسنوات، مثله مثل ملفات الفساد التي كانت تخفى في المكاتب لغايات أخرى إلا أن تكون في مصلحة الوطن.

عودة الذاكرة لإحياء الذاكرة، تعبير ودلالة على توجه ومنعطف جديد للدولة الجزائرية منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعنوان لعودة الخط الوطني “النوفمبري” كما يقال عنه، الذي كاد أن يخمد ويصفى، تماما كما تمت تصفية روح كثير من الثورات الشعبية على أيدي “الثورات المضادة”.

مسودة مشروع التعديل الدستوري المعروضة للنقاش والإثراء، رغم أنها جاءت في ظرف غير ملائم بسبب ظروف الإغلاق الذي تسببت به جائحة كورونا، إلا أن بصمة وتوقيع الأصبع الوطنية النوفمبرية الباديسية، بادية في ظاهرها، وتبقى البواطن من عمل وممارسات، مرتبطة بمدى احترام وتطبيق الدستور يوم يتم تعديله والاستفتاء بشأنه، خاصة أن الصياغة التقنية للمسودة، تبدو غير مسيسة وبيضاء، رغم أنها مجرد مسودة في انتظار التبييض.

مقالات ذات صلة