مشاريع ورهانات لإنقاذ أكبر مؤسسة ثقافية من الإفلاس
تعتبر أوبرا الجزائر، “بوعلام بسايح”، الأولى من نوعها في المغرب العربي، والخامسة عربيا بعد دار الأوبرا المصرية ونظيرتها السورية، والأوبرا السلطانية في مسقط، ودار دبي للأوبرا، حيث تمّ تصميمها بهندسة معمارية مغاربية وبلمسة عصرية وبسيطة تطبع بهوها الرخامي الرحب وسلالمها الدائرية.
تتربع أوبرا الجزائر على مساحة 35 ألف متر مربع، وتحتوي على قاعة رئيسية للعروض بسعة 1400 شخص، بالإضافة إلى قاعة تمرينات للباليه وقاعات للموسيقى ومكاتب، إلى جانب مرافق أخرى، كما أنّها تضم طابقين واسعين جدا يتيحان للضيوف إمكانية المشاهدة الجيدة للعروض على الخشبة ومن كل الزوايا. وهذه الأخيرة عصرية جدا، حيث تتحرك للأعلى والأسفل على عدة أمتار، بما يسهّل عمل الفنانين كثيرًا.
وتحمل أوبرا الجزائر اسم الراحل بوعلام بسايح، المولود عام 1930، وهو من أبرز الشخصيات الجزائرية الذين تقلدوا مناصب مهمة في الدولة منذ الثورة التحريرية، حيث كان مجاهدًا ورجلاً سياسيا وأستاذ أدب سابقا ودكتورا في الأدب والعلوم الإنسانية.
تعززت دار الأوبرا في الجزائر مؤخرًا بالأوركسترا السيمفونية التي تضمّ نحو ستين موسيقيا محترفًا، بقيادة المايسترو أمين قويدر، وعملت منذ إنشائها عام 1992 على تعزيز ونشر الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وتدور أعمالها حول أعمال أوبرالية مقتبسة من الملحنين العالميين، ولها أيضًا مجموعة أعمال مستوحاة من الموسيقى الجزائرية بشكلها السيمفوني.
وإلى جانب الأوركسترا السيمفونية، تضم أوبرا الجزائر فرقة للموسيقى الأندلسية، وفرقة الباليه التي أنجزت مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية، بمشوار يمتد إلى 38 عامًا من الوجود، وأكثر من 2500 عرض داخل وخارج الوطن، كما تختصّ أوبرا الجزائر أيضًا بالتكوين في المجال الثقافي بفروعه المختلفة على غرار الغناء والكوريغرافيا، بالإضافة للتكوين في مجال التقنيات كالإضاءة والصوت والبلاطو.
وقد كانت فاطمة الزهراء ناموس، التي عينت في نوفمبر 2020، على رأس أوبرا الجزائر، خلفًا لنور الدين سعودي، كما سبق لها إدارة البالي الوطني الجزائري، ومحافظة المهرجان الثقافي للرقص المعاصر، أكدت بمناسبة توقيع اتفاقية تعاون مع مدير المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري، الدكتور محمد بوكراس، على أن المبادرة تؤسّس لتعاون منتج يدعم مسار ترقية وأداء ونشر الفن الغنائي والكوريغرافي والأوركسترالي الكلاسيكي منه والمعاصر، مع تشجيع الإبداع في الفنون المذكورة وجميع التعابير المتصلة بفن الخشبة وعرضها، كما كشف القائمون بالمناسبة عن ستة رهانات ومشاريع كوريغرافية للأوبرا في المرحلة القادمة، وذلك بهدف التموقع كوجهة أولى للثقافة والفن في الجزائر، من خلال استغلال الثراء الثقافي والفني الذي تتميز به الجزائر في مختلف الفنون من خلال التركيز على دعم التكوين الذي سيشمل مختلف الفنون الغنائية، والرقص، بالاهتمام بالفئات الشابة التي بإمكانها أن تخلف الجيل الحالي من الفنانين، كما أن الأوبرا تعوّل على تشجيع الاحتكاك بين الفنانين الجزائريين والأجانب قصد تمكينهم من الاستفادة من التجارب الفنية العالمية، فضلاً عن تشجيع الأعمال الفنية التي تأخذ من التراث الجزائري بكل أطيافه من أجل إنجاز أعمال فنية كالأوبيرات والملاحم، مع الانفتاح على المحيط الثقافي والفني الجزائري، وتشجيع الأعمال الفنية التي تليق بدار الأوبرا من حيث المستوى الفني بالأساس. كما تهتم الأوبرا بالاستفادة من الكفاءات الجزائرية في الداخل والخارج، لإعطاء الدفع اللازم للحركة الفنية وإنجاز أعمال فنية كبيرة، تليق بزخم الثقافة والفن الجزائري. وعن إمكانية إنتاج أوبرا الجزائر مشاريع فنية وأعمالا أوبرالية، يربط القائمون المسألة بــ “كفاءات فنية، وكوادر ونصوص تقترب من الملاحم، يمكن أن تجسّد على خشبة الأوبرا”، معتبرين أنّ هذا “جهدا كبير يحتاج إلى المزيد من الوقت، ومن الإمكانيات واللوجستيك والعمل الذي يتطلب إقامة ورشات فنية وتدريبات حتى يخرج في شكله النهائي”.
وفي ما يخص المشاريع الجديدة، فقد كشف القائمون على الأوبرا عن التحضير لعملين مع البالي، رغم شحّ الإمكانيات المادية في المرحلة الحالية، وظروف الأزمة الاقتصادية وتبعات جائحة كورونا، إذ باشر الفنان نور الدين قدور الاشتغال على المشروع الكوريغرافي الموسوم “العودة”، بالإضافة إلى إعادة العمل الفني “الجزائر حريتي”، الذي عُرض في السنوات الماضية، خاصة أن التراث الجزائري يزخر بالبطولات والقصص الملحمية والأشعار التي يمكن أن تحوّل إلى أعمال فنية ناجحة، ترقى إلى مستوى الملاحم الأوبيرالية الغنائية والأوركسترالية، بإشراك جميع الكفاءات من كتاب نصوص، وملحنين، وتقنيين وسينوغرافيين وغيرهم.
هذا، وتولي دار الأوبرا أهمية كبيرة لدور التكوين والرسكلة كأولوية للمؤسسة في المرحلة القادمة، وذلك من خلال دعم ورشات الرقص الكلاسيكي التي بادرت بها دار الأوبرا منذ 2018، وإقامة ورشات للغناء والموسيقى للشباب، ما يساعد على تشكيل مجموعة صوتية لدار الأوبرا، وتخريج مطربين وفنانين جزائريين، بالإضافة إلى إقامة دورات تكوينية قصيرة (ماستر كلاس)، تخص مختلف الفنون الغنائية والكوريغرافية والأوركسترالية، والفنون القريبة منها، كتقنيات الخشبة والسينوغرافيا، والإخراج، وذلك بالاستعانة بجيل الشباب من خريجي المعاهد المختلفة قصد الأخذ بأيديهم للتدرب على أعمال فنية ذات مستوى عال.
وتخطّط الأوبرا لإقامة ملتقيات ومنتديات قصد الاستفادة من التراث والحفاظ عليه، ونشره لدى الأجيال الصاعدة، إضافة إلى رسكلة الفنانين المحترفين في إطار مشاريع معيّنة، أو في إطار دورات تدريبية مركّزة، للارتقاء بالفن والثقافة الجزائرية، بما يخدم مؤسسة بحجمها، حيث تنوي إبرام اتفاقيات شراكة مع مؤسسات ثقافية جزائرية لتنسيق الجهود من أجل إنجاز مشاريع فنية مشتركة، أو إقامة شراكة تقوم على الاستفادة من خبرات وقدرات فنية وتنظيمية وتقنية، بالإضافة إلى تكامل جهود الأوبرا مع الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والمسرح الوطني، والديوان الوطني للثقافة والإعلام، والمؤسسة العمومية للتلفزيون، التي ستمكّن من إقامة أعمال ومشاريع مشتركة ترقى إلى المستوى المطلوب.
هذا، وتسعى أوبرا الجزائر إلى ربط جسور مع دور أوبرا عربية، في إطار منظّم يمكّن من الاستفادة من مختلف تجاربها، كما يمكّن من تبادل البعثات الفنية بين الجزائر ومختلف البلدان العربية، مع إمكانية التقرّب من دور الأوبرا العالمية لجلب أعمال فنية عالمية وتقديمها للجمهور الجزائري، للتعرف على مختلف الأعمال الفنية العالمية. وهو بحد ذاته يمكن من إحداث التراكم الفني المطلوب، والاحتكاك المثمر من أجل خلق رصيد فني وإبداعي لدار الأوبرا.