الرأي

مشكلة إدارة قطاع الثقافة الجزائرية

عمر أزراج
  • 3620
  • 0

على مدى سنوات طويلة، لم يحقق قطاع الثقافة في بلادنا تحوّلا إيجابيا ملموسا يفضي إلى خلق بيئة ثقافية راقية ومتطورة في مجتمعنا يمكن أن يلعب دورا فاعلا يؤسس الحضور للقوي والفاعل والمؤثر إقليميا وعربيا على الأقل.

إن السبب لا يعود قطعا إلى انعدام الكفاءات، والمواهب الراسخة والواعدة في ميادين المسرح، والسينما، والفنون بكل أنواعها، والآداب، والفكر، وإدارة الشأن الثقافي وغيرها من الحقول، بل إن هذه الكفاءات موجودة ولكنها مبعدة أو لا يُبحث عنها، ولكن المشكلة تكمن فعلا في غياب المشروع الثقافي الوطني الواضح، وكذا غياب آليات التنفيذ الجاد والمستمر.

ومن دون أدنى ريب فإن وزارة الثقافة تتحمل جزئيا المسؤولية، ولكنها لا تقدر بمفردها أن تهندس للإقلاع الثقافي، خاصة وأن معظم مسيري إدارتها المركزية هم مجرد موظفين أقحموا إقحاما في الشأن الثقافي، إذ أنه من النادر جدا أن تجد فيها مسؤولا بدرجة مستشار أو مدير مركزي أو مكلف بمهمة فيها تتوفر فيه أو فيها معايير المثقف، أو المفكر، أو المخطط الاستراتيجي الذي يملك التجربة المنتجة في مجال إدارة العمل الثقافي وفقا لتصوّر مهندس هندسة عصرية، فالسائد في بلادنا غالبا، على مدار السنوات، هو فولكلور التنشيط الثقافي والفني الخاضع للمناسبات، وللعلاقات الشللية، أو لمزاج المسؤولين، أما الثقافة كخلق حضاري وكقوة ناعمة تجابه تحديات العصر، وكسلوك إبداعي يومي، وكإنتاج وتطوير لمضامين الهوية، ولقيم العقل… فلا نعثر عليها، كما لا نعثر على المنابر التي تفعّل الإمكانيات والطاقات باتجاهها.

ومن دون شك، فإن الفترة الطويلة التي قضتها الوزيرة السابقة خليدة تومي على رأس وزارة الثقافة قد تركت إرثا ثقيلا مدمرا يصعب التخلص من آثاره أو تصحيحه في سنة أو حتى في عقد من الزمان.

إن المساحة لا تسمح هنا بمناقشة كل بؤر الخلل والمشكلات الكبرى التي تشل الواقع الثقافي في بلادنا، ولذلك سأكتفي مؤقتا برصد قضية الكتاب والنشر والمؤلف التي لا تزال عالقة ومن دون حل علما أن الأمل معقود على روح المسؤولية التي يتحلى بها المدير الجديد بوزارة الثقافة الذي أسندت إليه مسؤولية إدارة شأن الكتاب.

وفي الحقيقة، فإن المسؤولية على الكتاب تعني الرهان الأكبر على مستقبل الوطن، لأن صناعة الكتاب طبقا للمقاييس الحديثة تعني جوهريا صنع الأجيال، وأن توزيعه توزيعا لائقا على المستوى الوطني والإقليمي والعربي والدولي يدخل في إطار ديمقراطية الثقافة بكل العناصر المكوّنة لها على المستوى الوطني من جهة، وتدخل من جهة ثانية في إطار إبراز خصائص الهوية الجزائرية وتوصيل الإنتاج الذي يعبر عنها إلى الشعوب في العالم، كما أن حلّ مشاكل المؤلفين سوف يؤدي إذا تحقق إلى إعادة الاعتبار لهم ورفع الظلم عنهم.

من النادر جدا أن تجد فيها مسؤولا بدرجة مستشار أو مدير مركزي أو مكلف بمهمة فيها تتوفر فيه أو فيها معايير المثقف، أو المفكر، أو المخطط الاستراتيجي الذي يملك التجربة المنتجة في مجال إدارة العمل الثقافي وفقا لتصور مهندس هندسة عصرية، فالسائد في بلادنا غالبا، على مدار السنوات، هو فولكلور التنشيط الثقافي والفني الخاضع للمناسبات، وللعلاقات الشللية، أو لمزاج المسؤولين.

في الشهور القليلة الماضية، وجّه رئيس النقابة الجزائرية لناشري الكتب رسالة إلى الوزير الأول الجزائري عبد الملك سلال، تناقلتها وسائل الإعلام المحلية، يدعوه فيها إلى الترخيص رسميا بتسويق الكتاب الجزائري في الخارج لفك الحصار عن الإنتاج الثقافي والفكري الوطني؛ ففي هذه الرسالة وردت معلوماتٌ مهمة جدا منها أن وزارة التعليم العالي تنفق ما لا يقل عن 30 مليون دولار على استيراد الكتاب علما أن جميع المكتبات العمومية، وفي المقدمة مكتبات الجامعات والمكتبة الوطنية المركزية، وتلك التابعة للقطاع الخاص المنتشرة عبر القطر الجزائري تفتقد إلى الكتب الأكاديمية المتخصصة الأكثر حداثة وتطورا في ميادين الصناعات المهنية، وفي المجالات العلمية بما في ذلك العلوم الإنسانية المطبوعة في العالم العربي أو في الدول الأجنبية.

أما وزارة الثقافة التي كانت ميزانيتها في عهد الوزيرة خليدة تومي لا تقل عن 200 مليون دولار، فهي لم تصرف طوال 12 سنة على مشروع الثقافة الوطنية الغائب طبعا وعلى البنية التحتية والوسائل والمنابر منها المجلات المتخصصة التي ينجز بواسطتها.

وفضلا عما ذكر، فإن الجزء الخاص من تلك الميزانية بطباعة وتوزيع الكتب الجزائرية، ولاستيراد الكتاب العربي أو الأجنبي قد بلعت نسبة معتبرة منه المهرجانات العابرة التي لم تترك أي أثر يُذكر على تشكيل حركة ثقافية وفنية وفكرية جزائرية تضاهي ما تحقق في بلدان العالم.

وفضلا عن هذا، فإن الوزارة المعنية لم تطبع على مدى 13 سنة سوى كمية هزيلة من الكتب قُدر عددها رسميا بـ 15 ألف عنوان علما أن تسعين بالمائة من هذه العناوين ليست سوى إعادة طبع لكتب تقليدية قديمة أكل الدهر عليها وشرب وهي في مجملها تكرس الرداءة.

من بين العقبات الكبرى التي تعترض سبيل ترقية الكتاب الجزائري، صناعة وتسويقا في الداخل وفي الخارج، وخلقا لمناخ التأليف الإبداعي المتواصل ماديا ومعنويا، هناك بالدرجة الأولى ثلاث عقبات أساسية جد سلبية وفي مقدمتها سيطرة الجهات الرسمية على التوزيع. أما العقبة الثانية فتتمثل في قانون الدولة الخاص بحقوق المؤلف الجائر المسلط على رقاب المؤلفين والذي بموجبه تذهب نسبة 60 بالمائة من عائدات الكتاب لفائدة المطابع سواء كانت تابعة للدولة أو للقطاع الخاص، و40 بالمائة نسبة بالمائة للناشر، و10 بالمائة للمؤلف، وهذا يعني أن صاحب الإنتاج المفترض أنه عصب ومحرك الحياة الثقافية والفكرية، مهمش ماديا ومحطم معنويا.

إلى جانب هاتين العقبتين، فإن تغذية المشهد الثقافي والفكري الجزائري بأرقى ما وصل إليه العقل البشري في مجال الثقافة والفكر والفنون عن طريق الترجمة الذاتية معدوم كلية، وذلك بسبب عدم توفر مركز وطني بفروعه في المحافظات يقود مشروع الترجمة من اللغات الأجنبية. إن هذه المشكلات المتراكمة والمزمنة التي يعاني منها الإنتاج الثقافي والمؤلف الجزائريين على مدى سنوات طويلة لم تجد أي علاج إيجابي يذكر إلى يومنا هذا، الأمر الذي جعل صناعة الكتاب الجزائري بدائية تماما وخاصة إذا قارناها بتطوّر هذه الصناعة في عدد من دول العالم الثالث على الأقل، أما مقارنتها بالدول المتطورة في العالم فأمر غير وارد إطلاقا.

مقالات ذات صلة