الرأي

مشكلتنا ليست في المشاركة أو المقاطعة؟

حفيظ دراجي
  • 9566
  • 39

قبل التشريعيات الأخيرة، كان هاجس الدولة والطبقة السياسية عندنا هو عزوف الجزائريين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع وكيفية إقناعهم بالمشاركة في الانتخابات، لهذا راحت كل الأحزاب تدعو الجزائريين في تجمعاتها إلى المشاركة، ونسيت أن المقاطعة ظاهرة صحية وعادية تحدث في كل المجتمعات، وهي تحدث عندنا منذ زمن بسبب انعدام الثقة وعدم قدرة الساسة على الإقناع، وغياب المعايير والمقاييس والشخصيات المؤثرة في الرأي العام، وبسبب كثرة الهموم والمتاعب في الأوساط الشعبية، إضافة إلى عدم قدرة الأحزاب على استقطاب المناضلين والناخبين. ولكن الساسة عندنا اكتفوا بالدعوة في تجمعاتهم إلى التصويت عوض شرح برامجهم وإقناع الناخبين بها، وبالتصويت عليهم! كما أن البرلمان في نظر عامة الشعب، وفي ظل الدستور الحالي، هو هيئة أعضاؤها يصفقون ويطبلون ويرفعون الأيدي ولا يقترحون التشريعات، ولا يعترضون على ما يعرض عليهم من مشاريع قوانين. وعلى مدار السنين، استمر تقزيم الهيئة التشريعية والكثير من مؤسسات الدولة ورجالاتها، فكان الفراغ الكبير الذي نعيشه اليوم وتدفع ثمنه الأجيال الصاعدة..

نتائج التشريعيات ونسبة المشاركة والمقاطعة أثبتت -بما لا يدع مجالا للشك- أن مشاكلنا ليست في مقاطعة أكثر من عشرة ملايين جزائري لصناديق الاقتراع، بل في عدم قدرة الساسة على إقناع جزء منهم على الذهاب إلى الصناديق، لأن الانتخابات البرلمانية ليست مهمة لديهم ولا تنفعهم ولا تضرهم، ولأن غالبية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني مفلسة بفعل الإقصاء والاحتقار، وهي غير قادرة على التجنيد والاستقطاب والإقناع، كما أن مشاكل الجيل الجديد أكبر من أن يحلها برلمان أو حزب أو شخص بذاته، أو إقبال أو عزوف عن المشاركة في أي استحقاقات كانت.

مشاكلنا ليست في البرلمان أو نسبة المشاركة في الانتخابات، ولا في من يفوز بها، بل هي مشاكل سياسية واجتماعية وفكرية وأخلاقية واقتصادية:

– مشكلتنا السياسية هي “أم المشاكل” لأننا نقر بأن جيلنا “طاب جنانو” ولا نفعل شيئا من أجل التغيير! ونستمر في سياسة الإقصاء والهروب إلى الأمام والسكوت عن كل الممارسات التي تعب منها الشعب وأثّرت على معنوياته، وأفقدته الثقة في كل شيء..

مشكلتنا الفكرية هي غياب مشروع المجتمع الذي نريد إقناع الشعب به، وغياب ثقافة الدولة في الأذهان والمؤسسات، وغياب الديمقراطية والحرية في إبداء الرأي والتعبير عن أفكارنا دون خوف أو طمع..

– مشكلتنا الأخلاقية تكمن في نقص الوازع الديني وطغيان الظلم والفساد وانتشار الرشوة والنهب على كل المستويات، وكذلك في غياب الاحترام والتقدير للكفاءات، وللنساء والرجال الأوفياء الذين أصابهم الإرهاق والتعب وفقدان الأمل في غد أفضل..

– مشكلتنا الاجتماعية هي انعدام العدالة والمساواة وغياب الردع وانعدام الثقة في الجيل الصاعد الذي لم تتح له الفرصة لإثبات وجوده، في وقت لا يزال فيه الجيل الذي “طاب جنانه” يقرر مصير أمة لا يتعدى 70٪ منها سن الثلاثين عاما!

مشكلتنا الاقتصادية تكمن في عدم قدرتنا على استغلال ثرواتنا البشرية والطبيعية والمادية والاستثمار في الخيرات التي تزخر بها بلادنا، واعتمادنا على طرق ووسائل تسيير متخلفة.

أماأبو المشاكلفهو الجهل وانعدام الوعي بقيمة وطن من حجم الجزائر يستحق منا كل التضحيات.. الجهل بقيمة قدراتنا وإمكانياتنا التي سمحت لنا بتحقيق إنجازات كبيرة لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد..

عندما نحل كل هذه المشاكل لن نكون بحاجة إلى دعوة الجزائريين للذهاب إلى صناديق الاقتراع، لأنهم سيذهبون عن اقتناع لاختيار ممثليهم وبرامجهم، ومن سيقاطع الانتخابات منهم فسيفعل ذلك عن اقتناع أيضا، ولن نخوّنه ولن نصنفه ضمن خانة المعارضين لمصلحة الوطن، بل سنعتبر الظاهرة صحية وعادية ولن تضر ولن تنفع المسار الديمقراطي.. يومها سنمُر إلى مرحلة أخرى.. مرحلة لن نكون فيها أسرى الخطاب السائد.. خطاب يقول إن التشريعيات مصيرية وبعده يأتي دور أغنية “الانتخابات المحلية ستكون الأهم”، وبعدها تأتي الرئاسيات، ونبقى ندور في حلقة مفرغة، فمتى ستأتي المرحلة الأخرى.. المرحلة التي نحلم بها، وتحلم بها الجزائر قبلنا.

مقالات ذات صلة