“مشيخة” في البلديات!
كلمة حق قالها وزيرُ الداخلية الحالي، عندما وصف بعض رؤساء البلديات، بـ”العاجزين عن معالجة المشاكل التافهة التي لا تحتاج لأكثر من دقيقة من التفكير والتنفيذ”، وهي حقيقة، لِما يجب أن يكون في أي بلد في العالم، وليس بالضرورة الذي يطمح لأن يبعث جمهورية جديدة أو مدينة فاضلة، تتطور باستمرار، ويعيش أهلها في أمن وسلام.
ولا يمكن لكلمة الحق أن يكون لها مفعول، من دون التدخل القوي من القمة، لنسف الباطل وإزالته عن طريق المواطنين، لأن في بلادنا لم تعد البغال هي وحدها من تتعثر بسبب الطريق غير المصلّح، وإنما أصحاب البغال، من دون أن يجدوا رجلا رشيدا واحدا، يشفق على المتعثرين، ولا نقول يأمر بإصلاح الطريق أو يصلحها بنفسه، فالمريض لا يهمه كثيرا تشخيص الداء، وإنما علاجه.
الذي يزور أي مدينة أو قرية في الجزائر يشعر بأننا غرباء عن العالم؛ فلا صورة ولا ملامح، إذ تتريّف المدن، وتحاول القرى أن تتمدّن، فلا بقيت لنا قرية وما امتلكنا مدينة. وعندما تُصنَّف الجزائر العاصمة كآخر مدن المعمورة التي تفتح في الناس شهية الحياة ويشعر أهلُها بالسعادة، وعندما يذرف عائدٌ إلى قسنطينة شدّه الحنين إلى مدينة لم يشاهدها منذ نصف قرن، برميلا من الدموع حزنا على الدمار الذي شهدته، ندرك بأننا لم نمتلك شيوخ بلدية أصلا، وذاك قاعدة البناء، ونريد أن نتطاول في البنيان بحكومة وبرلمان ورئاسة جمهورية!
الرئيس التركي طيّب رجب أردوغان الذي حلّ بالجزائر خلال الأسبوع الماضي ورافقته أمّة من صناع الهبّة الاقتصادية التركية، ما كان ليصل إلى هذا المرتقى، لو لم ينجح في قيادة بلدية اسطنبول عندما كان شيخا لها، بينما يُسجن شيخ البلدية عندنا في مكتبه المكيّف قرب سكرتيرته اللطيفة، يفكر في كيفية حمل القمامة تارة، وزرع “الدودانات” في طريق المشاة والسيارات تارة أخرى.
إلى غاية بداية سنة 2020 من هذا القرن التعيس تنمويا في تاريخ الجزائر، ما زلنا نفتقد بلدية نموذجية ولو كاستثناء، دون هذا العدد الهائل من البلديات، التي تقودها مجالس تقوم بصرف المال العامّ وربح السلم الاجتماعي، من دون أدنى فكرة عن مشروع تنموي يبرّر وجود هذه الهيئة القاعدية التي فسدت فعلا، ففسد البدن كله.
وإذا كنا قد أحصينا المئات من رؤساء البلديات الذين هم رهن الحبس والمتابعات القضائية بسبب ما اقترفوه من نهب واعتداء على القوانين، فإن من بقي منهم، هم رهنُ الأمية والجهل الذي جعل المنطقة التي يديرونها ثابتة في مكانها، تنتج القرف والملل والنازحين إلى مدن أخرى أو إلى ما وراء البحار.
إذا كانت التُّهمة “الخطيرة” بالأدلة القاطعة ثابتة على شيوخ البلدية، فإنها لا يمكن إلا أن تبلس المسؤولين الكبار الذين عجزوا عن تحديد شروط مهنية للمترشح لرئاسة البلدية وهو منصب حسّاس، وإجباره على تقديم برنامج أو خارطة طريقه، ومتابعته في رحلته التي تدوم خمس سنوات أو أكثر، حتى لا تبقى “المشيخة”، في القاعدة وفي القمة.