مصر تستعيد دورها
في مشرق العرب ومغربهم عاد لمصر سحرها الخاص.. يتابع الناس بخفقات قلوبهم خفقات قلبها في ميدان التحرير ويتحسسون حراكها الواسع في دهاليز الصحافة وقاعات الفن ومسرح الحياة في الأحزاب التي تثور على نفسها فتكتشف عبث سنوات عمرها الفائت، وفي المؤسسات التي تكتشف وجود لصوصها فتطاردهم من مكتب لمكتب ..
-
ويقف العالم مشدوها يرقب خوفا وإعجابا وزراء يقادون إلى المحاكم تحت حراسات مشددة وشخصيات ما ظن أحد في يوم أنها ستُذل خلف القضبان لا ينفعها مال ولا بنون، تقف تتلقى التهم وتستنطق في صغير الأمور وجليلها.. مصر اليوم تخرج من تحت الركام تنتفض وتفرك عينيها من قذى سنين عجاف، وكل عضو في جسد مصر يمارس صحوه على طريقته فيما يظنه البسطاء من المتابعين فوضى لا رأس لها ولا طريق..مصر اليوم تمسح عن وجهها غبارا قاتما عفرّه بها نظام فاشل أساء لمكانتها بين عربها وقارتها..
-
وتسير مصر لدورها سيرا أكيدا رغم أداء العقبة وتخوفات السياسيين ومخططات قادة الثورة المضادة..تسير مصر وقد جُبلت يقينا بدورها وقد تذوّقت طعم الكرامة وامتلأت رئتاها بنسيم الحرية..
-
وفي الطريق تقف اسرائيل العدو التقليدي والخطير .. ولم تترك قيادة الكيان الصهيوني للتكهنات حول طبيعة موقفها سبيلا ..بل كانت التصريحات الاسرائيلية مرافقة لنشاطات استخباراتية وعملياتية واضحة في اتجاه التشويش على الثورة المصرية والتحريض عليها ..وهاهو الأمر يصل بها إلى اتهام وزارة الخارجية المصرية بمعاداة السامية وبمواقف متطرفة تجاه الدولة العبرية مشيرة إلى أن السلام بين “البلدين” في خطر.
-
ولكن مصر التي اكتشفت نفسها وأزاحت الليل عن سمائها، تدير باقتدار ملف اسرائيل، وكما قال الدكتور نبيل العربي “إذا كنا لانخترق اتفاقيات كامب ديفد فإننا لانقبل أي اختراق لحقوقنا”، وفي حديث لاحق تتضح القراءة المصرية لكامب ديفد بأن غزة منطقة “د” لايجوز لاسرائيل تحريك قواتها فيها وإن أقدمت اسرائيل على شيء من هذا القبيل فإن الجيش المصري يكون حرا في إعادة الانتشار في سيناء..وهذا ما يفسر استشارات إسرائيل لنظام حسني مبارك قبل أي عدوان على غزة.
-
نبيل العربي يقول بوضوح إن اتفاقيات كامبديفد أنجزت لمصر حقوقا مهمة، لكنها كانت مضرة بالقضية الفلسطينية ..ويقول الدكتور نبيل العربي إن اتفاقيات كامب ديفد تؤكد على ضرورة تحقيق السلام على كل المحاور في المنطقة وأن هناك بنودا كثيرة من الاتفاقية مستحقة لمصر وللعرب جمدتها اسرائيل، فيما كان النظام المصري المخلوع ينفذ كل ما على مصر من التزامات وزيادة.
-
لن تكون علاقات مصر باسرائيل كما كانت ليس فقط في شأن تعديل سعر الغاز المصري الذي يلبي أربعين في المئة من احتياجات اسرائيل وإنما أيضا في الملف الفلسطيني الذي ستلقي مصر بكامل ثقلها فيه، على اعتبار أنه مجالها الحيوي وبوابة أمنها القومي.
-
وتجد مصر نفسها مكبلة بسلوك سياسي عزلها عربيا وإسلاميا ودوليا ..وهي الآن تسير نحو تصفير مشكلاتها مع الدول والتي لم يكن في السابق من مبرر لها إلا إبداء حسن التعاطي مع الاشارات الأمريكية..فلم يكن من المعقول استعداء ايران والدخول معها في تصارع حول أوهام، فكما قال الدكتور نبيل العربي:”إن شعبين حضاريين بحجم الشعب المصر والشعب الايراني، ماكان ينبغي أن تحدث بينهما قطيعة”، وبالفعل أبدى الدكتور العربي استعداده لتحسين العلاقات مع إيران من خلال زيارات متبادلة وإقامة علاقات على أكثر من مستوى ووضع حد للقطيعة ..وهذا يمنح مصر امتدادا لمجالها الحيوي وحضورا في السياسة الاقليمية وإمكانية التدخل في ملفات إقليمية معقدة..ولأن الحكومة المصرية تستند إلى ثورة شعب فإنها تدقق في الموقف وتصنع موقفا متوازنا مركبا، فهي لا تبيع لإيران موقفا على ورقة بيضاء إنما موقف يعيد الاحترام إلى الشعبين والدولتين في إطار صحي ويتجنب الخسارات المجانية ..لهذا كان الموقف المصري بوضوح منحازا إلى أمن واستقرار دول الخليج وعروبتها ومرحبا بالتدخل الخليجي لإعادة الاستقرار للبحرين، كما جاء في تصريح للدكتور نبيل العربي..ومع ذلك كله فمن غير المستبعد أن تبدأ بعض الدوائر في دول الخليج بالنفور من موقف مصر الجديد والتخطيط لإحباطه والتحريض عليه في دوائر أجنبية..رغم أن تلك الدول تحرص على علاقات مع إيران وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسي والزيارات والأحاديث الطيبة عن حسن الجوار..ولايمكن أن ننسى تطوع بعض دول الخليج بمليارات الدولارات لانقاذ النظام المصري السابق من السقوط لأنه كان يغطي على كل عيوبهم ويقدم تبريرات لأدوارهم القذرة في الخليج وفلسطين والعراق.
-
وستقوم تلك الدول وسواها ممن لايريد لمصر عودة للعب دورها الطبيعي بالتشويش عليها في المنطقة والتصدي لحركات الشعوب في المنطقة التي تجد في الثورة المصرية نموذجا وسندا، كما أن انتصار الشعوب في المنطقة سيكون بلاشك سند حقيقي للثورة المصرية، ومن هنا يمكن اكتشاف هذا الموقف الغربي المتردد والغريب من ليبيا.
-
وإن أمريكا في اضطراب كبير لاتعرف بالضبط كيف تتعامل مع ثورة الشعب الذي قدم قيادات لها خبرة وعلم بإدارة العملية السياسية على الصعيد الخارجي لاستعادة دور مصر..وإن كانت الادارة الأمريكية حاولت في البداية أن تركب الموجة وتخترق الصفوف إلا أن الثوار المصريين رفضوا استقبال وزيرة الخارجية الأمريكية ومن المعلوم أن الادارة الأمريكية أنشأت غرفة عمليات خاصة بمصر للمتابعة والاتصال بقوى وأحزاب ونشطاء وألقت في مصر ببعض الشخصيات أمريكية الهوى للترويج لمقولات وأفكار لتحريف الثورة عن غاياتها.
-
من المهم هنا ملاحظة أن الثورة المصرية قد اجتازت مراحل كبيرة على الصعيد الداخلي نحو التأسيس لعلاقات طبيعية بين مكونات المجتمع المصري الثقافية والمذهبية تجلت في توّحد المسيحيين والمسلمين وسرعة تحركهم للسيطرة على ما تثيره بقايا النظام المخلوع من فتن بين الأقباط والمسلمين..كما تعمل روح الثورة على إيجاد التفاهمات بين السلفيين والصوفيين وهكذا.
-
إن المتابع لخطابات المترشحين للرئاسة والمتهيئين للبرلمان يجد إجماعا لدى الجميع على النهوض الحقيقي بمصر اقتصاديا وسياسيا لكي تأخذ دورها التاريخي في الأمة.
-
أجل إن ثورة مصر ستحدث تغييرات جوهرية عميقة في المنطقة وستعيد ترتيب أولوياتها ..وليس من باب التمني بل من باب اليقين نرى أن هناك فجرا سعيدا للأمة يجري الآن مع مياه النيل ومن الأزهر الشريف ومن أرياف مصر ومدنها حيث تصاغ الحياة كما نشتهي ونريد.