مطلقات تائهات في المحاكم بحثا عن حق “النفقة”!
لا يزال موضوع “النفقة” يرهق الكثير من المطلقات في الجزائر، خاصة اللواتي لديهن أكثر من طفل، فمعاناة هؤلاء النساء، تكشفها أقسام شؤون الأسرة في المحاكم، وتلك العشرات من الحكايات لأمهات تائهات في يوميات ضمان القوت لأبنائهن.. بين المطالبة أمام العدالة بحق النفقة، وتعنت الرجال، ومصاريف القضية، وأتعاب المحامي، يضيع الأطفال في الجوع والتسرب المدرسي والتشرد في الشوارع!
ولم تعد النفقة مجرد مشكلة تعني امرأة مطلقة، بل أن الارتفاع المذهل في قضايا الطلاق، أزم قضية الإنفاق على الأولاد، وأبرز أشكالا عديدة لطرق التمرد والتماطل في دفع النفقة للمطلقة، فمن خلال ما أكده لـ”الشروق”، بعض المحامين الذين يرافعون أمام قضاة أقسام شؤون الأسرة، لصالح المرأة الراكضة وراء “النفقة”، فإن بعض الرجال يتعمدون عدم دفع النفقة نكاية في هذه المطلقة، ودفعها للإنفاق على القضية وتضييع وقتها في المحاكم، حيث يحلو لبعضهم لعبة” القط والفأر”، فبمجرد اقتراب موعد استدعاء المتهم من طرف القضاء، يسارع إلى دفع المبلغ المتراكم عليه جملة واحدة.
قصص صراع أمهات من اجل نفقة أبنائهن، سمعناها من بعض الضحايا أنفسهم او من طرف المحامين، فقد أكدت أم لـ 3 أطفال تقطن بالرويبة، أنّ طليقها تجاهل تماما أن لديه أولاد يحتاجون النفقة والرعاية وقد تزوج مرة ثانية وانشغل بزوجته الجديدة، وفي كل مرة تطالبه بالنفقة يتهرب إلى أن وجدت نفسها مضطرة لأن تبيع كل ما تملك من ذهب لتسديد مصاريف ملف القضية ضده أمام المحاكم، ورغم دخوله السجن وخروجه بعد تسديد المبلغ المطلوب منه والمتعلق بالنفقة، إلا أنه عاد ليتملص ثانية من دفع هذا الحق لأولاده.
أراد أن يدخلها السجن فاتهمها بالتحايل على صندوق النفقة
ووجد بعض الرجال الذين تطالبهم طليقاتهم بالنفقة، في الصندوق الحكومي الخاص بالنفقة، وسيلة جديدة في طرق الانتقام والتماطل والتملص من النفقة، متناسين أن في كل هذه المعادلة هناك أطفال يتخبطون في صراع نفسي ومادي.
وقد قالت سيدة مطلقة من منطقة بني مراد لـ”الشروق”، إن زوجها السابق تهرب من دفع النفقة فلجأت إلى الصندوق الحكومي لضمان استقرارها والاستفادة منها في موعدها، وبعد أن وصل المبلغ الذي استفادت منه إلى حوالي 40 مليونا، ذهب زوجها الذي كان مطالبا امام القضاء، ودفع المال المترتب عليه دفعة واحدة في رصيدها، وتوجه إلى الجهات المسؤولة عن صندوق النفقة، وأبلغهم أن طليقته تحتال عليهم، وبعد التحقيق تبين أن تاريخ إيداع المبلغ كان متأخرا فنجت من السجن، ولكن أعادت المبلغ الذي استفادت منه من طرف صندوق النفقة فوجدت نفسها قد خسرت المال، ولم يعد لديها ما تنفقه على أولادها.
نفقات متراكمة تصل إلى أكثر من 200 مليون سنتيم
وإذا كان يتعذر على بعض الأزواج الفقراء أو معدومي الدخل تسديد مستحقات النفقة، فإن بعضهم يفضل دخول السجن على أن يمنح فلسا واحدا لطليقة، وذلك نكاية فيها، حيث وضع صندوق النفقة كحل لحماية الأطفال ورعايتهم.
وقال في هذا السياق المحامي مجيد بيطام، في تصريح لـ”الشروق”، إن بعض الرجال المطالبين بالنفقة على أولادهم، يلجؤون إلى تزويد كشوف الرواتب الشهرية أو نقل بعض الملكيات بأسماء والدتهم أو والدهم أو الزوجة الجديدة، وهذا كله من أجل عدم دفع حق النفقة، خاصة إذا استدعوا من طرف العدالة، حيث يفكرون في ربح الوقت للانتقام من المطلقة.
وأكد أن بعض الجزائريين، لا يدفعون النفقة، ويجدون كيف يتهربون من السجن، فبعد إيداعه هذا الأخير، يكتشفون أنهم مطالبون بمبالغ تتعدى 200 مليون سنتيم، وهي حصيلة تراكم النفقة التي حددها القاضي.
وأوضح المحامي أنّ النفقة وحسب المادة 78 من قانون الأسرة، تشمل الغذاء والكسوة والعلاج، والسكن أو أجرته، وما يعتبر من الضروريات في العرف والعادة، حيث يراعي القاضي حسب المادة 79 من نفس القانون، تقدير النفقة وحال الطرفين وظروف المعاش ولا يراجع تقديره قبل مضي سنة من الحكم.
مسائل تحتاج إلى مزيد من الاجتهاد القضائي
ومن جهته، أكد إبراهيم بهلولي، محامي وأستاذ القانون في كلية الحقوق ببن عكنون، أنّ العدالة الجزائرية عملت على ضمان حق النفقة، من خلال القبض على المطالب بالنفقة في حالة عدم الالتزام بتنفيذ الحكم الصادر ضده، ودفعه بقوة القانون إلى تحرير حساب مشترك عند المحضر القضائي، من أجل تسديد المبالغ المترتبة عليه والخاصة بنفقة أولاده.
وقال إن القاضي يعمل على تحديد مبلغ النفقة الذي يتراوح بين 5 آلاف إلى 7 آلاف دج، ولكن ينبغي حسبه، أن يكون هناك مزيد من الاجتهاد القضائي لمراعاة كل الظروف المحيطة والمستجدات، مثل المنطقة والظروف الاجتماعية والمالية، والعمل، والأساليب التي يمكن للرجل المطالب بالنفقة أن يستغلها بهدف التملص، حيث هناك حسبه، الكثيرين من المطالبين بالنفقة، يعملون في نشاطات حرة تسهل عليهم التهرب من تسديد النفقة.
وحول ذات النقطة، أوضح المحامي مجيد بيطام، أن هناك رجال أغنياء يدفعون مبالغ مالية للنفقة تتساوى مع رجال فقراء، متسائلا: “كيف لمقاول مثلا أن يدفع نفقة 5 آلاف دج شهريا للطفل وهو مبلغ مطالب بدفعه أيضا جزائري “زوالي” قد لا يملك عملا، فهل يذهب ويسرق ليدفع النفقة إذا كان لديه 3 أطفال؟!”.
وأضاف: “هل الطفل أو المطلقة التي تقطن في الصحراء أو الريف أو منطقة يسهل فيها العيش مثل المطلقة التي تقطن في العاصمة أو مدينة كبرى؟”، ودعا إلى مراعاة كل الظروف المحيطة بالمطلقات وذلك من أجل حماية أبنائهن.
للإشارة، فإن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، طالب الحكومة بإبقاء صندوق النفقة، بعد إقفاله بموجب قانون الموازنة عام 2021.