مطلقات يلملمن جراحهن وسط أنياب المجتمع..
باعتبار أن الزواج هو الميثاق الأسمى في الحياة ، وباختلاف وتعقد الواقع المعاش، قد تتعرض أركانه أحيانا للإهتزاز، ومن ثم الإنهيار، فتدخل العائلة الجزائرية في منعرج مخيف يغير مسار حياتها العادية الهادئة إلى يوميات تتداول فيها المشاكل التي لا حل لها و تتراكم لتشكل انفجارا مهيبا تكون المرأة فيه الضحية الأولى…إنه الطلاق أبغض الحلال عند الله، تحله الشريعة لتفادي خسائر أكبر بين الزوجين، حيث تجد الزوجة المطلقة نفسها وحيدة بين نارين، إما مواجهة أهلها ومجاراة انتقادات الناس وتعليقاتهم، أو إعادة بناء كيانها والتقاط أنفاسها.
الطلاق وصمة عار يعلو جبينها
المرأة المطلقة في نظر مجتمعنا مذنبة لا محالة..فيفرض عليها عقوبة السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة والمرارة والحزن، ما يجعلها بعيدة عن التواصل مع الناس والفرح، منغلقة على نفسها، مكتئبة وواقعة في دوامة لا تستطيع الخروج منها، ويستكثرون عليها حتى النفس الذي تتنفسه حسب قول حسيبة 31 سنة التي تقول: “مرت سنتان على طلاق إبنة جارتنا، ولم أرها ولم أسمع صوتها منذ عادت إلى بيت أهلها، وكأن يوم طلاقها هو يوم وفاتها، فهي محبوسة في البيت وأمها من شدة حرجها لا تتكلم مع الناس! “، أما السيدة “سمية” 45 سنة فسردت علينا قصتها قائلة :”كنت شابة لا تفقه في الحياة إلا القليل، وشاء القدر أن أتزوج من صديق أخي، لكني اكتشفت بعد فوات الأوان أنه زير نساء، يتعاطى كل أنواع الخمور والمخدرات، فكانت النتيجة الحتمية الطلاق طبعا، واضطررت بعد ضغط رهيب من أهلي إلى التخلي عن إبنتي، رغبة منهم في إعادة تزويجي مرة أخرى..و لك أن تتخيل عذاب بعدي عن إبنتي..و ما زاد من عذابي معاملة الناس و كلامهم الجارح، وبعد 5 سنوات من المعاناة تزوجت مرة أخرى، لكني الآن أصارع من أجل إنجاح زواجي، فطلاقي كان وصمة عار تعلو جبيني، ولم أسلم حتى من أهل زوجي الثاني، وفي بعض الأحيان أحس نفسي مقبلة على الإنهيار.. لكني ندمت على شيء واحد، وهو أني كنت ضعيفة، متأثرة بكلام الناس، ولولا ضغط عائلتي و المجتمع لما ابتعدت عن إبنتي “.
أما “سمير” 25 سنة الذي التقينا به في أحد المقاهي في “رويسو”، فيرى أن المجتمع قد يظلم المرأة المطلقة ويدفعها إلى الهلاك، ويقول: “ابنة خالتي كانت سعيدة في حياتها لسنوات عديدة، و مع مرور السنين، بدأت في إهمال نفسها والدخول في حالة مرضية نفسية ألا وهي الإكتئاب، فاتجه زوجها للبحث عن إمرة أخرى فتزوجها وبذلك كان الطلاق، وقابلها المجتمع بالرفض والإحتقار، ولم تسلم حتى من والديها وإخوتها، فتتالت الأحداث حتى قررت الهرب من المنزل و لا يعرف لها طريق حتى الآن”.
تتابع حياتها مخلفة ماضيها المؤلم وراءها
قد يكون الطلاق هو الحل الأخير في نظر المرأة للخروج من جحيم المشاكل المتتالية في الحياة الزوجية، والدخول إلى جنة الحرية و الهدوء، لكن في أغلب الأحيان تتفاجأ المٍرأة بحواجز ومطبات تنغص عليها صفو حياتها الجديدة، فتحاول تجاوزها و إعادة اكتساب ثقتها بنفسها الضائعة منها بسبب زواج فاشل ، وفي هذا الإطار تقول خالتي “يمينة”: “أنا ضد المجتمع الذي يجعل من المرأة المطلقة مذنبة، لأنها قد تكون تعاني الأمرين في زواجها”، وأردفت قائلة :”لي ابنة خرجت منذ عامين من تجربة فاشلة، معانية من الضرب المبرح لسنوات طوال، فانفصلت عن زوجها، ورغم كلام الناس تابعت حياتها مع ثلاثة أبناء، رغم أنها لا تعمل، إلا أنها لقيت صدرا رحبا من قبل أهلها وساندناها في تنشئة أبنائها”.
أما “ياسمين” 24 سنة فترى أن المرأة المطلقة لها الحق في متابعة حياتها، مخلفة ماضيها المؤلم وراءها فتقول:” أختي مثلي الأعلى في الصمود والمثابرة، حيث واجهت الواقع المؤلم بعد الطلاق بكل شجاعة، وكان لها الحرية في إعادة الزواج للمرة الثانية أو الإهتمام بولدها ومتابعة عملها، فكان الثاني خيارها، ورغم ذلك لم تنس نفسها، فنجدها اليوم مرحة وبشوشة، تأكل ما طاب من الأكل وترتدي أحلى الثياب، مهتمة بمظهرها اللائق، متصالحة مع نفسها، تسمع ما تحب ولا تسمع ما تكره، مخرسة بذلك الألسنة اللاذعة، ومن جهة أخرى نجد ابنها اليوم طالب جامعي حازم لا تلهيه ملذات الحياة الدنيا وهو في علاقة طيبة مع أبيه”.
في حين تقول “فريدة” 33 سنة :”أنا امرأة مطلقة إلا أني فرضت احترامي بسلوكي الطيب، و ربيت ابنتي أحسن تربية و علمتها حتى أصبحت محامية، أعيش في بيت أهلي في سعادة وهناء و لا أواجه أي صعوبات في الحياة”، وتضيف: “أنا واحدة من بين الكثيرات ممن يحتجن لكلمة طيبة تشجعنا على الإستمرار في الحياة لغد أفضل”.
مجتمع رافض للمرأة المطلقة باعتبارها مذنبة
و للغوص أكثر في هذا الموضوع من جانبه الإجتماعي، كان لنا حديث مع أهل الإختصاص، فيقول السيد: “موسى كاف” أستاذ في علم الإجتماع في جامعة تيزي وزو: “التطورات التي شهدها المجتمع الجزائري و خاصة في العشرية السوداء، أدت إلى تفشي العديد من الآفات وتردي الحياة الإجتماعية، بالإضافة إلى تحولات حتى على مستوى الأسرة فأصبح الطلاق منتشرا، وهو ممكن أن يكون بطلب من المرأة أو الرجل على حد سواء، وتبقى النظرة السلبية للمرأة المطلقة قائمة، فتصبح غير مقبولة في المجتمع..
ولكن المرأة اليوم تفتحت أكثر، فلم تعد تنتظر مساعدة من أحد، فتجدها تخرج مباشرة لتحاول نسيان ماضيها وبناء حياتها من جديد، فقد يكون الطلاق حلا للخروج من المشاكل التي واجهتها”. أما السيد “سعودي إلياس” وهو محلل إجتماعي فيقول: “مهما كانت أسباب الطلاق، على العائلة أن تلعب دورها كاملا في إخراج المرأة المطلقة من الحالة النفسية السيئة التي تكون فيها، فالبعض في المجتمع يرفضها باعتبارها مذنبة و هذا خطأ كبير، فالمرأة إن لم تجد من يساندها بعد الطلاق ستتعرض حتما لأزمات نفسية شديدة وانهيارات عصبية، مما يؤثر سلبا على علاقتها بالأبناء و المحيط، ما يعود على المجتمع بآفات إجتماعية خطيرة”.
الطلاق تجربة نفسية مؤلمة
ولأن الطلاق تجربة شخصية قد تختلف من شخص لآخر، قررنا الإقتراب من السيد “بوعلام قاصب” وهو أخصائي نفساني، لتفسير آثار الطلاق على المرأة فيقول: “الطلاق تجربة نفسية مؤلمة تواجه المرأة، فتنزل بها من مكانة المتزوجة إلى المطلقة، وهذه الأخيرة غير مقبولة في الكثير من المجتمعات، فتعاني الوحدة وتتحمل تعليقات الناس وشفقة الأهل والزملاء وشكوك البعض في سلوكياتها، فتعيش على هامش الحياة، ويضاف إلى هذا ما يترتب على الطلاق من تغيير في نمط حياة المطلقة، فهي إما أن تترك بيت الزوجية و تعيش وحدها فتعاني الوحدة، أو تقوم بدور ثانوي في بيت أهلها، بالإضافة إلى معاناة مشاعر الحرمان والخوف والظلم وعدم الرضا عن النفس، ما ينجر عنه مشاكل نفسية واجتماعية عديدة، قد تستمر لسنوات، وقد تدخل في مرحلة من الإحباط و التوتر والذنب والقلق، وتتسلط عليها أفكار العداوة والتشاؤم والإنهزامية، قد تؤدي بها إلى الإنحراف وحتى الإنتحار”.