مطلّقات وزراء الجزائر
هل للنظام السياسي الجزائري موقف إزاء وزارتي الإعلام والثقافة؟ ولماذا يتداول الوزراء عليهما منذ 1958 لغاية اليوم في غياب منتوج إعلامي وثقافي يساير العصر.
وهل يحق لمطلقات الوزراء أن يتداول عليها وزراء جدد؟ ولماذا تتعدد أسماء المطلقات “وهنّ واحدة” ، ولا يتعدد الأزواج؟
أيعقل أن يكون في الجزائر مفكرون مثل عبد الرحمان بن خلدون يتداولون على المناصب دون أن تكون لهم “مقدمة ابن خلدون” أو أن يكون لنا وزراء في فحولة المتنبي في التقرب إلى السلطة دون أن تكون لهم “روائع المتنبي”.
المدني، مهري ويزيد
ثلاثة وجوه ارتبطت بهم وزارتا الثقافة والإعلام خلال فترة الحكومة الجزائرية المؤقتة (1958 ـ 1962) وهم أمحمد يزيد الذي تقلد منصب وزير الإعلام ثلاث “عهدات” وأحمد توفيق المدني الذي تقلد وزارة الشؤون الثقافية، وعبد الحميد مهري الذي تقلد وزارة الشؤون الإجتماعية والثقافية. في الحكومة الأولى لفرحات عباس كانت الثقافة مستقلة، لأن الحكومة كانت مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وفي العهدة الثانية لفرحات عباس (18 جانفي 1960) تم تزويج الثقافة بـ”الشؤون الإجتماعية”، أما في عهد بن يوسف بن خدة فلم يعد هناك مبرر لوجود وزارة الثقافة أو الشؤون الاجتماعية والثقافية.
أما مرحلة “عبد الرحمان فارس” فهي جهاز تنفيذي موقت (7 أفريل 1962) وليس في حاجة إلى امحمد يزيد أو عبد الحميد مهري أو أحمد توفيق المدني وإنما إلى “روجي روث، وجون مانوني، وشارل كونيغ” وإلى رجال الدين أمثال الشيخ بيوض الذي صار مندوب الشؤون الثقافية.
وبعد استرجاع السيادة في 5 جويلية 1962 ألغت حكومة أحمد بن بلة وزارة الثقافة، وأبقت على وزارة الإعلام وكلفت بها السيد محمد حاج حمو. والسبب هو أنها أنشأت ما يسمى بـ(القافلة الثقافية) لمحو الأمية باللغة الفرنسية.
وحافظ الرئيس الراحل هواري بومدين على تغييب وزارة الثقافة لمدة خمس سنوات (1965 ـ 1970)، في حين أطلق اسم (الأنباء) على وزارة الإعلام. وأصبح للجزائر وزارتان للإعلام: الأولى وهي الرسمية (وكالة الأنباء) والثانية وهي الغطاء السياسي (وزارة الأنباء) وحتى يتفادى الخلط بين “الوكالة والوزارة”، لجأ إلى تغيير الإسم فصارت “الأخبار” وألحقت بوزارة الثقافة فصارت لنا وزارة باسم “وزارة الأخبار والثقافة”. وهذا أول زواج بين وزارتين واختير أحمد طالب الإبراهيمي وزيرا.
وضعية النظام السياسي في الجزائر، ماضيا وحاضرا، تلخصه هذه الفقرة من بيان مجلس الثورة 19 جوان 1965: “لقد فرض سوء تسيير التراث الوطني، وسلب الأموال العمومية، واللاإستقرار والديماغوجية والغوغائية والكذب والارتجالية، كمنهج للحكم من خلال التهديد والابتزاز وانتهاك الحريات الفردية وضبابية المستقبل، وجد بعضنا يتعرض للخضوع وبعضنا الآخر للخوف وللسكوت والاستسلام”. ويبدو أن هذا الوضع استمر من 19 جوان 1965 لغاية 1976، حين قرر الرئيس بومدين العودة إلى الشرعية الشعبية. فقد حكم الرئيس الأسبق أحمد بن بلة الجزائر باسم الشرعية التاريخية بعد الانقلاب على الحكومة المؤقتة، وحكم الرئيس السابق هواري بومدين الجزائر باسم الشرعية الثورة لمدة 11 سنة. وعاد إلى الشرعية الشعبية.
وتبين للرئيس بومدين أن الأنباء هي الأخبار وأنهما من فصيلة الإعلام، فعاد إلى مصطلح الحكومة المؤقتة وأنشأ وزارة الإعلام والثقافة واختار رضا مالك زوجا لهما عام 1977.
وإذا كان بومدين قد وثّق للزواج غير الشرعي بين الإعلام والثقافة، فإن الرئيس السابق الشادلي بن جديد اختار زوجا جديدا لهما وهو عبد الحميد مهري (1979).
ولأن المرحلة لم تكن في حاجة إلى أمثال عبد الحميد مهري، فقد طلق الوزارتين وصارت للثقافة وزارة وللإعلام وزارة.
ولأن الجمع بين المطلقات ممكن في السياسة، لأنها فن الممكن، فقد أعيد الجمع بينهما في عهد الشادلي، واختير أحد المحكوم عليهم بالإعدام خلال الثورة المسلحة ليكون زوجا لهما وتصدت منبر أكتوبر لذلك مما اضطر الشادلي إلى إقالة الوزير.
ثقافة الإنقلاب وإعلام التسريبات!
قال أحد أصحاب “الثقافة الإنقلابية” إن كلمة (اتصال) أفضل من (إعلام)، ودعا إلى إلحاق الثقافة بالاتصال، ولم تجد السلطة الزوج المناسب، وتبيّن أن اسم وزارة (الإعلام والثقافة) هو الأفضل فعادوا إليه، ثم تراجعوا عنه وعادت إلى (الاتصال والثقافة)، ومثلما حولوا وزارة الثقافة إلى كتابة للثقافة والفنون الشعبية، حولوا كذلك وزارة الاتصال إلى كتابة للاتصال تابعة للوزير الأول، ثم عادوا فرقوهما إلى وزارة.
ويبدو، مما تقدم، أن عدم الثبات في التسمية سببه الأول جهل الذين يخططون للبلاد بـ(الإعلام والثقافة). والسبب الثاني هو رجال الثقافة والإعلام الذين كانوا مقربين من السلطة، فالإعلام، في مفهوم النظام هو صورة الحاكم، والثقافة هي الأنشطة المناسباتية.
وليست المشكلة مرتبطة بوزارتي الإعلام والثقافة وإنما بجميع الوزارات، فهناك غموض في التسمية وفشل في اختيار الأزواج.
من أين جاء هذا الاستخفاف بـ(الإعلام والثقافة) وبقية أسماء الوزارات؟
من يقرأ كتابات أمثال خالفة معمري (عبان رمضان) يكشف الحقيقة، فهو يدعي “أن الجزائر للأسف الشديد كانت تفتقد لفطاحل الشعراء” ـ ص302 ـ وأنه حين سلم مفدي زكريا نشيد قسما إلى عبان رمضان “وجد فيه بعض أفكاره” ص305.
ثم يعلق قائلا:”ومن باب الغرابة أن هذا النشيد، كما وصلنا، لا يتضمن مرجعية واضحة لا للشعب ولا للدين ولا حتّى لجيش التحرير” ص307.
ويخلص الكاتب بأنه “بأية حال سينظر لاحتلال فرنسا للجزائر، بعد قرون من الزمن على أنه مجرد حدث عابر لا أكثر ولا أقل”.
مثل هذا الفكر المتناقض مع نفسه والمُسفّه للثورات وتاريخ الشعوب هو الذي يدير السلطة في الجزائر منذ 962 لغاية اليوم.
مع العلم “أن جبهة التحرير فتحت أجهزتها المسيرة للسياسيين وللحاصلين على الشهادات العلمية، ولقد جمعت كل الأجهزة التنفيذية للجبهة في توازن ظاهر وهش بين رجال السيف ورجال القلم، فلم تكن العقبة أمام ترقية الطلبة تتمثل فقط في شعور العداء تجاه المثقفين” (غي برفيليي كتاب: الطلبة الجزائريون في الجامعة الفرنسية ص367).
ومع ذلك، فقد تمت ترقية أسماء كثيرة منهم: محمد الصديق بن يحي، الأمين خان، عبد الحميد مهدري، محمد بجاوي، امحمد يزيد، وأحمد بومنجل، ورضا مالك، والإبراهيمي، وبن حبيلس وحربي وغيرهم.
وما لا يقال في الثقافة هو أن كبار شعرائنا العرب أمثال المتنبي، وكبار مفكرينا أمثال عبد الرحمن بن خلدون كانوا يتقربون من الملوك والأمراء بسبب أن الثقافة والفكر كانت في صالوناتهم، بحيث كانوا يتنقلون بحثا عن الثقافة، وتركوا لنا أعمالا عظيمة.
أمّا اليوم، فإن ما يحدث هو العكس، فالمثقفون والكتاب والشعراء يتقربون من الرؤساء والملوك ليس للثقافة ونيل العلم، وإنما للحصول على مناصب أو التحوّل إلى “كتاب عموميين” للسلطة.
والمفارقة أن تكريم النجباء في الجامعات الجزائرية والعربية يكون بحضور “المصالح”، وأصحابها هم الذين يسلمون الشهادات في غياب المفكر والباحث والكاتب والأديب.
لقد تنبّه أحد الوزراء، أثناء محاكمة عبد المؤمن خيفة، أن له مطلقة، ونفى أن تكون له علاقة بها، زاعما أنه يقطع صلته بمطلقته، والحقيقة هي أن المطلقات “هنّ اللواتي” يقطعن صلتهن بالأزواج. وأغلب الوزراء أعادوا الزواج بمطلقاتهم أكثر من مرة، وتزوجوا مطلقات من سبقوهم إلى ذلك، فالشرعية ليست في “الأزواج” وإنما في الجهة التي توثّق لهذا الزواج.
أسماء كثيرة تداولت على وزارتي الإعلام والثقافة، بدءاً من عبد الحميد مهري، وأحمد توفيق المدني، وامحمد يزيد، مرورا ببشير بومعزة وأحمد طالب الإبراهيمي ورضا مالك وبوعلام بسايح، ومحمد العربي ولد خليفة، وانتهاءً بدماغ العروس وعميمور… ومع ذلك، فهناك أسماء أخرى لا تستطيع أن تتذكرها لأنها تمثل الوجه الآخر لـ”المتنبي” الذي لا نعرفه أو ابن خلدون، وليس للمتنبي وابن خلدون اللذين يمثلان الشعر والفكر في أرقى تجلياته.