الرأي

معادلة الوفاء للوطن

بقلم: بوطالب عرجاني
  • 22
  • 0

يُشكل شهر أوت في الذاكرة والوجدان الجزائري ملحمة حية يتداخل فيها شرف التاريخ المجيد بعظمة الإنجاز الحاضر؛ فشهر أوت لم يكن يوما مجرد رقم في التقويم، بل هو شهر التضحيات والبطولات التي سطّرها الأجداد في 20 أوت 1955 و20 أوت 1956.

إن تاريخ 20 أوت ليس مجرد محطة في التقويم، بل هو نسيج مركب من البطولات الشامخة التي غيّرت مجرى الثورة التحريرية المباركة؛ ففي 20 من أوت 1955، فجّر البطل الشهيد زيغود يوسف ورفاقه هجومات الشمال القسنطيني لتفكيك الحصار الاستعماري وإسقاط أسطورة “التهدئة”، مفندين بالدعم الشعبي العارم كل ادِّعاءات المحتل الفرنسي الخبيث. وما هي إلا سنة واحدة حتى شهدت أرض أوزلاقن التاريخية ببجاية، في 20 من أوت 1956، معجزة التنظيم والتخطيط المتمثلة في مؤتمر وادي الصومام؛ وما أدراك ما مؤتمر وادي الصومام، ذاك العقل المدبر والمهندس الحقيقي لمؤسسات الثورة التحريرية المباركة، والذي نقل الثورة من مرحلة التحدي المسلح إلى مرحلة الدولة المُنظَّمة، واضعا الركائز الصلبة للوحدة الوطنية والسيادة الشعبية.
وستلبس بجاية التاريخية في هذه المناسبة ثوب الفخر والتألق، من خلال تنظيم فعاليات واحدة من أضخم وأجمل الاحتفالات الوطنية المخلدة لـ”يوم المجاهد” أيام 18 و19 و20 أوت الجاري، وذلك ببرنامج تاريخي وفني ضخم يجمع بين الملتقيات الأكاديمية التي تُعمِّق القراءة في رسائل المؤتمر والهجومات، وبين العروض الملحمية والفنية السمعية البصرية التي تُعيد إحياء ذاكرة النضال بأدوات فنية راقية. إنها احتفالية تُخاطب العقل والوجدان، لتُمرّر مشعل الوفاء من جيل الثورة والتأسيس إلى جيل البناء والتشييد، مؤكدة أن الجزائر الصامدة بذاكرتها والواثقة بمستقبلها تظل أبدا قلعة للحرية والكرامة.
وتُعدّ الوطنية الجوهر النفسي والرباط الأخلاقي الذي يمنح الأمة وجودها الأصيل ويضمن استمراريتها عبر الزمن؛ فهي ليست مجرد عاطفة عابرة تُستثار بالرموز والشعارات، بل هي عقيدة مواطنة راسخة وشعور بالمسؤولية التضامنية الشاملة نحو الأرض، والتاريخ، والشعب،  والمصير المشترك.
وفي الجزائر، تكتسب الوطنية بعدا استثنائيا يضرب بجذوره في عمق التاريخ القديم، وتعمّد بدماء الشهداء وتضحيات الأجيال التي رفضت الذوبان وصانت الهوية في أحلك الظروف. إن صناعة هذه الوطنية وحمايتها من التفتت والاندثار عملية إستراتيجية تراكمية متكاملة، تتوزع فيها الأدوار بين مؤسسات مسؤولة عن غرس الوطنية في النفوس منذ الصغر، ومؤسسات أخرى يقع على عاتقها تنمية هذه الوطنية لتتحول إلى سلوك وسيادة وممارسة حية.

1- خط الدفاع الأول لبناء الهوية:
تتحمل مؤسسات الخلق والغرس مسؤولية وضع اللبنات النفسية والأخلاقية الأولى في وجدان الطفل، قبل أن تتشكل لديه مفاهيم السياسة والتحليل العقلاني:
-الأسرة: هي القلعة الأولى والحافظ الأصيل للروح الوطنية. داخل الأسرة يتشرّب الطفل لغته، وقيمه، وعاطفته الأولى نحو أرضه من خلال القدوة السلوكية للوالدين، وحكايات الأجداد، والتربية على احترام المحيط والمال العامّ والتضامن مع ابن الوطن.
-المدرسة (المنظومة التربوية): المؤسسة التربوية هي المحول المنهجي الذي ينقل العاطفة الوطنية البسيطة إلى وعي مواطني عقلاني. عبر تدريس التاريخ الوطني القديم والحديث، والتمكين للغة الوطنية، وترسيخ أساليب التفكير المنطقي والرياضي، تُشكل المدرسة الضمير الجمعي للناشئة وتحصنهم ضد التضليل.
-المسجد والمؤسسات الدينية والأخلاقية: تساهم في تأصيل الواجب الوطني كالتزام أخلاقي وديني، بربط مفاهيم الصلاح، النزاهة، وحرمة الأوطان بعقيدة الفرد، مما يجعل حماية الوطن وخدمته جزءا من الأمانة والاستقامة.

2- رافعة السلوك وميدان الفعل:
بعد تشكُّل الوعي القيمي في الصغر، تأتي مؤسسات التنمية لتطوير هذا الشعور وتحويله إلى قوة فاعلة تحمي استقرار الدولة ومؤسساتها:
-المؤسسة العسكرية والأمنية (الجيش الوطني الشعبي): تُمثل العقيدة الدفاعية والتطبيق العملي الأسمى للوطنية؛ إذ تتجسد فيها وحدة التراب الوطني وتتلاحم فيها طاقات أبناء الشعب من كل ربوع الوطن لحماية السيادة والجبهة الداخلية والوطن.
-الاتصال والثقافة والمنصات الرقمية: تضطلع بدور حاسم في تنمية الوعي الجمعي، وصناعة الرأي العامّ الحصين، وصون الذاكرة الوطنية، ومواجهة الحروب النفسية والشائعات الخارجية بتقديم الرواية الوطنية الجامعة.
– المجتمع المدني والتنظيمات الشبابية والرياضية: تُنمي الوطنية الميدانية عبر روح المبادرة، والعمل التطوعي، وخدمة المجتمع المحلي، وتمثيل الراية الوطنية في المحافل القارية والدولية، مما يرسخ الحس بالانتماء والمواطنة الفاعلة.

إن الحصن الحقيقي والوحيد الذي يضمن استمرار الجزائر قلعة صامدة وموحَّدة يكمن في العودة إلى الأصل والتأسيس الرصين؛ إذ تشكل الأسرة والمدرسة خط الدفاع الأول والقلعة الحصينة لغرس الوعي الوطني لدى الأجيال منذ الصغر. ويتكامل هذا الغرس بالتسلح بالقراءة الواعية للتاريخ القديم والحديث، والتمكين للغة العربية في مختلف أبعادها المعرفية، والتحكم في لغة العلوم والتفكير المنطقي كالرياضيات.

إن التكامل بين مؤسسات التنشئة التي تزرع حب الوطن في الصغر ومؤسسات التأطير التي تنمِّيه في الكبر هو السبيل الوحيد لبناء جبهة داخلية متماسكة ومحصَّنة، تضمن استمرار الجزائر قلعة شامخة تسير بخطى واثقة نحو المستقبل.
ويقف المفهوم الجوهري للوطنية في العصر الحديث عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، على أرضية صلبة من المواطنة الجامعة والتجرّد الكامل للمصلحة العليا للوطن؛ غير أن المسار العملي للتعددية الحزبية كثيرا ما يحرف هذه القيمة السامية عن مجراها الطبيعي، ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الأحزاب السياسية روافد لتأطير الوعي وتعميق الحس الوطني، نجدها في الواقع العملي تنكفئ على ذاتها، فتحول “الوطنية” من عقيدة ولاء للأرض والأمة إلى مجرد “عصبية تنظيمية” ضيقة، هدفها الأساسي جلب المناضلين وتجنيد الأفراد للدفاع عن الحزب ورموزه، لا الدفاع عن القضايا المصيرية للوطن والأمة.
إن هذا التحول الخطير في طبيعة الانتماء يعيد إنتاج “العصبية القَبَلية” و”نعرة العرش” بمسميات سياسية حديثة؛ إذ يحل الولاء للحزب أو الزعيم محل الولاء للدولة ومؤسساتها الجامعة. وفي هذه البيئة المغلقة، يُصبح المناضل مستعدا للدفاع عن أخطاء حزبه والانتصار لكتلته السياسية حتى لو كان ذلك على حساب الحق المجمع عليه أو التماسك المجتمعي. إنها وطنية مزيَّفة ومجزَّأة، لا تنمي في النفوس التضحية والدفاع الحقيقي عن الوطن، بقدر ما تنمي غريزة التعصب الفئوي والمحاصصة السياسية، مما يؤدي في النهاية إلى تفتيت اللحمة الوطنية وتحويل المشهد السياسي إلى ساحة صراعات مغلقة تُقدَّم فيها المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العليا للوطن والأمة.
والأحزاب، بحكم طبيعتها التنافسية ورغبتها في التموقع، قد تسقط في فخ إعادة إنتاج العصبية الضيقة والولاءات الفئوية، مما يُفرغ مفهوم “المواطنة” من محتواه الجامع ويشتِّت جهود الأمة.
إن الحصن الحقيقي والوحيد الذي يضمن استمرار الجزائر قلعة صامدة وموحَّدة يكمن في العودة إلى الأصل والتأسيس الرصين؛ إذ تشكل الأسرة والمدرسة خط الدفاع الأول والقلعة الحصينة لغرس الوعي الوطني لدى الأجيال منذ الصغر. ويتكامل هذا الغرس بالتسلح بالقراءة الواعية للتاريخ القديم والحديث، والتمكين للغة العربية في مختلف أبعادها المعرفية، والتحكم في لغة العلوم والتفكير المنطقي كالرياضيات، لاستعادة روح جبهة التحرير الوطني التاريخية والتي أعطيناها العهد،  والتي ذوّبت الصراعات الحزبية وصهرت الجميع في بوثقة “الوطن أولا وأخيرا”.
وحين تحضر هذه المنظومة التربوية والحضارية المتكاملة، يتحول حب الوطن من شعار يُرفع في المناسبات إلى عقيدة سلوكية وممارسة يومية يُدافع عنها كل مواطن من موقع عمله ووعيه، فتتحقق اللحمة الوطنية الصادقة التي لا تُفككها الاستقطابات السياسية ولا تؤثر فيها أي قوة عدوة للجزائر كانت من الخارج أم من الداخل.

مقالات ذات صلة