معالجة المشاكل.. بالمشاكل
ما تقوم به السلطة في الأيام الأخيرة، من أجل شراء السِلم الاجتماعي وتبييض الصورة خارجيا، عبر أطنان من “صباغ الشعر والماكياج”، لا يمكن تشبيهه سوى بزرع مكثف وفوضوي لقنابل موقوتة، قد تنفجر بمجرد أن ينزل سعر البترول إلى سبعين دولارا – وهذا وارد جدا حسب خبراء اقتصاديين – ولا نتحدث عن جفاف آبار النفط خلال عشريتين قادمتين، مما يعني أن الأزمة الشاملة محتمل حدوثها على المدى القريب جدا، وليس المتوسط كما يتوهّم هؤلاء الذين خرجوا يحملون “كيس المال ومفاتيح السكن وقرارات العمل”، وراحوا يفرقونها على مئات الآلاف من المواطنين دون أدنى دراسة لمخاطر هذه السياسة التي تشبه “الرضاعة” التي تُسكت الطفل بعض الوقت وليس كل الوقت.
لا جدال في أن منح خمسة آلاف منصب شغل لأبناء ورڤلة أوغيرها من الولايات الجنوبية، هو التفاتة إنسانية واجتماعية وسياسية تثلج الصدور – رغم أنها جاءت متأخرة جدا- ولكن أن يزج بهؤلاء في مركب بترولي في مناصب غالبيتها للحراسة والإدارة، موازاة مع تأكيد بعض الفاعلين بأن زمن النفط صار محدودا جدا معناه معالجة مشكلة بمشاكل، والمؤلم أن كل مناصب العمل التي منحتها الدولة في الفترة الأخيرة لا علاقة لها ببناء اقتصاد أمة، ولا تحمي المتحصل عليها من هزات الزمن، لأنها بعيدة عن الإنتاج، ولولا قطرات البترول والغاز التي تبيعها الجزائر لدول، ولّى بعضها وجهه شطر دول غازية أخرى وينتظر البقية مصيرا نفطيا آخر ليس جزائريا بالتأكيد، ومع ذلك تتشبث الدولة الجزائرية على جعل ما تسميه مشاريع لفائدة الشباب والبطالين مجرد حقنات مخففة تزيل الألم بعض الوقت، وتطيل عمر المرض الذي يبدو أنه بلغ مرحلة الميؤوس من شفائه.
والدولة تعلم جيدا أن الشباب الذين دخلوا عالم الشغل غير المنتج، ضمن مختلف الشبكات وما قبل الإدماج وبعقود مؤقتة سيلوون ذراعها ويثبّتون أنفسهم في هذه المناصب غير الدائمة، من أجل أن يبقوا كما بقيت هي في منصب لا واجب فيه ولا عمل، وسيطلبون زيادة في الأجور، ضمن ما صار يُعرف بوقوع الدولة رهينة في يد الشعب يسيّرها كيفما شاء وليس كيفما شاءت.
والبرامج المخصصة للمخطط الخماسي القادم بميزانية غير مسبوقة، صارت الآن مجرد كلام أغرقته هذه السياسات الغريبة، التي جعلتنا “نبلع” ما في الخزينة دون هضم، والنتيجة أن الجزائر هي البلد النفطي الوحيد الذي لا يمتلك مشروعا قوميا يحرّره ولو في قطاع واحد من التبعية للخارج، أو من قيود النفط وهاجس الخوف من المستقبل القريب.
والأكيد أن الرئيس القادم سواء كان السيد عبد العزيز بوتفليقة، أو غيره مجبر على تفكيك هذه القنابل الاجتماعية المدمرة من خلال تغيير نهج ملء الأيدي الممدودة بالمفاتيح والعقود والوعود، قبل أن يفكر في أي برنامج آخر، مما يعني أن أي رئيس يجب أن يعيدنا إلى الصفر الذي صرنا أسفله بسنوات حتى نفكر في الإقلاع، لأن ما يحدث في الأيام الأخيرة لا يختلف عما يحدث في الأسواق الأسبوعية و”التويزات والزردات”، وسنظلم “الدولة” لو قلنا أن هذا سلوك “دولة”.