الرأي

معالم معركة المفاهيم

عمار يزلي
  • 58
  • 0

عند كل مرحلة تأسيس نظم جديدة، دينية، عقائدية أو أيديولوجية بشكل عامّ، أول ما يبحث عنه المؤسسون والمنظرون هو تغيير دلالات المفاهيم عبر إرساء آلية تغيير إدراك المتلقي صيغة المفهوم غير المجرد الذي ألفوه من قبل أو الذي سيتعوّدون على سماعه وتداوله وفهمه وإدراكه بشكل مختلف.

المفاهيم، هي جزءٌ من المعركة الوجودية والتأسيسية للعقيدة الدينية والأيدلوجية. النظرية، تبدأ بمنهج ورؤية عامة للمشروع التنظيري العقائدي والفكري السياسي، ويكون بمثابة مخطط البناء الهندسي لأي مشروع عمراني، يتطلب أدوات ووسائل وتقنيات، ولكن أيضا يتطلب خطابا مغايرا، بدلالات مغايرة تمثل لبنات البناء ككل، الذي يقف على دعامات أساسيات هي الأركان والأعمدة، تكون مفاهيم أساسية وقاعدية، فيما تبقى البقية مفاهيم فرعية أو حتى “مصطلحات” ظرفية أو جديدة تقتضيها الحال.

عندما بدأ المشروع الإسلامي يتأسس، سواء زمن الوحي أم ما بعده خلال الخلافة الراشدة، كانت البنية الهيكلية للمجتمع الإسلامي، تشهد أولى اللبنات التجريبية لهذا المجتمع الجديد، الذي لم يولَد من العدم، بل خرج من تحت أنقاض مجتمع غرق في وحله. جاء الدين محمولا عبر كتاب الله، وجرت ترجمته وتطبيقه عمليا عبر السنة النبوية، ثم ما بعدها من خلال الخلفاء الراشدين والتابعين وتابع التابعين والأئمة المجتهدين، على اعتبار أن المشروع الإسلامي لا ينتهي، وأنه يتطور ويتغير كل حين لكن ضمن البناء الذي أسِّس على “تقوى من الله” لا على أساس “مسجد الضرار”. كانت الأركان الخمسة رمزا لأعمدة هذا الصرح العظيم الذي لن يزول بزوال الرجال ولا الخلفاء، وكانت اللبنات التي وضعت لنا هذا الصرح كلها مستمدَّة من تعاليم القرآن الكريم ومن السُّنة النبوية الشريفة. مفاهيم مفتاحية ومصطلحات تحمل دلالات واحدة لا يمكن تأويلها كالتوحيد والإيمان والإسلام والكفر والشرك والخير والشر والفضيلة والمودة والمحبة والعدل والإحسان والتقوى والإصلاح والأمانة والأمن والمنكر والنفاق… مئات المصطلحات والعبارات والمفاهيم المفتاحية والثانوية في فهم العقيدة. مفاهيم وأدوات منهجية وتقنية، الهدف منها إصلاح المجتمع القديم وتتمة “مكارم الأخلاق” التي كانت موجودة، بالفطرة قبل الإسلام كالكرم والمروءة والشهامة، تماما كما جاء النبي عيسى- عليه السلام- ليصحح لليهود عقيدتهم ودينهم لا ليبدِّل دينا بدين، كما كان يقول لهم دائما.

اليوم، معاركة المفاهيم، ليست بين دين ودين، بل بين دنيا ودين: العالم اليوم، صار رمزا للمطالب الدنيوية المادية في صراع وجودي مع الدين ككل، سواء الإسلام أم المسيحية المتدينة أم حتى اليهودية الأرثوذوكسية. العالم المادي، بعقيدته “العلمانية” التي صارت اليوم تمثل “دينا وضعيا”، يعمل على تحييد المفاهيم المبنية على العقائد ككل وينشر مفاهيم جديدة محوَّرة، أقل ما يقال عنها أنها مواربة للحقيقة “مبرنقة” لخواء وفراغ ووضاعة اجتماعية فكرية أنتجتها بنفسها لتذويب العقل الديني لصالح العقل الدنيوي المادي الاستهلاكي: صارت الخمر التي هي “أم الخبائث” تسمى أحيانا “مشروبا روحيا”، وصار أبناء الزنا واللقطاء يسمون “أبناء الحب”، وكـأن الأبناء الحقيقيين “أبناء كراهية”، وصارت المومسات الحاملات يُسمَّيْن تخفيفا وتلطيفا للنعت “أمهات عازبات”، وصار التدين “تشددا وتخلفا وتطرفا” وأحيانا “جهلا” و”ظلامية”، وصار الشواذ جنسيا يسمون “مثليين”، و”مثليات”، وصار الزواج المحرَّم يسمى “زواجا مثليا” تباركه حتى بعض الكنائس الكاثوليكية والبروتستنتية.

معركة بين الحق والباطل، إنما، رغم أنه من وجهة نظرنا كمسلمين وكمجتمع متدين، سواء كان المتدين مسلما على مختلف المِلل أم كتابيا ملتزما، فكلنا نعرف أن “الحلال بيّن والحرام بيّن”، لكن على العاقل اليوم أن يفكِّر أين يقف في زمن وقوف الباطل شاهرا سيفه.

مقالات ذات صلة