الرأي

معاملة لا تليق حتى بالحيوانات!

حسين لقرع
  • 278
  • 0

لم يخامرنا أدنى شكّ في أنّ “أسطول الصمود العالمي” الذي انطلق من سواحل صقلّية الإيطالية منذ أيام لن يصل إلى شاطئ غزة، وستعترضه قواتُ البحرية الصهيونية في عرض البحر وتُقرصن سفنه وتعتدي على الناشطين العالميين المتعاطفين مع الفلسطينيين المجوّعين المحاصَرين، وهو ما حدث بالفعل.

ولا شكّ في أنّ هؤلاء الناشطين الأحرار الذين ينتمون إلى جنسيات عالمية عديدة، كانوا يدركون ذلك، لاسيما وأنّ الاحتلال قد أفشل محاولتهم الأولى في سبتمبر 2025 وتعرَّض لهم بالضرب والإهانات والاستنطاق… قبل أن يطلق سراحهم لاحقا، لكنّهم تحلّوا بالشجاعة مرة أخرى وجمعوا ما استطاعوا من أغذية ومُؤن ومساعدات شتى وانطلقوا باتجاه غزة، وهذا لتحقيق إحدى الحُسنيين: إمّا النجاح في كسر الحصار هذه المرة بعد محاولات عديدة سابقة لناشطين كثيرين على متن أساطيل عديدة، أو فضح وحشية العدوِّ وهمجيته وفاشيته مجدَّدًا أمام العالم، لتزداد الشعوبُ مقـتا وكرها لهؤلاء المجرمين الذين يحاصرون 2.4 مليون فلسطيني في سجن كبير اسمه غزة ويمنعون عنهم –إلا في حدود دنيا- ضروريات الحياة من غذاءٍ ومياه نقية وأدوية كافية ووقود وبيوت جاهزة وخيام جديدة تحلّ محلّ الخيام التي مزقتها الرياحُ والعواصف… وقد نجح هؤلاء الناشطون الشجعان مجددا في فضح حقيقة هذا الكيان المجرم الذي طالما ادّعى الإنسانية والديمقراطية ووصف جيشه بأنّه “الأكثر أخلاقا في العالم”، وأكّدوا مدى انحطاطه وعنصريته وحقده على كلِّ من يناصر المستضعفين الفلسطينيين.

شهاداتٌ عديدة سمعناها على ألسنة ناشطين تعرَّضوا لوحشية الاحتلال وإرهابه يومين كاملين في عرض البحر المتوسّط قبل الإفراج عنهم، لكنَّ أبلغَها تعبيرا هي شهادة الناشط التركي حسين شعيب أوردو الذي قال إنّ الجنود الصهاينة عاملوهم بطريقة لا تليق حتى بالحيوانات، إذ كدّسوا 200 شخص في حاويات وعذّبوهم وتسبّبوا لهم في إصابات عديدة…

ربّما من حسن حظّ هؤلاء الناشطين الشرفاء الأحرار، أنّ ما حدث لهم ظرفيٌّ وينتهي بإطلاق سراحهم والعودة إلى بلدانهم، بعد أن يكونوا قد برّؤوا ذمّتهم وسعوا صادقين إلى إدخال نزر يسير من المساعدات للفلسطينيين بغزة، ولم يُفلحوا… بحسبهم أنهم حاولوا ذلك، وهم مشكورون على إنسانيتهم العالية، وجهدُهم مثمَّنٌ ومقدَّر وسيحفظه لهم التاريخُ في سجلٍّ من ذهب في زمنٍ كثُر فيه المتخاذلون والمثبّطون من بني جلدتنا… أمّا ما يعيشه سكانُ غزة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم، فهو جحيمٌ متواصل، وعلى الرغم من انتهاء الحرب في 10 أكتوبر 2025، إلا أنّ أحوالهم لم تتحسّن كثيرا؛ إذ لا يزال العدوُّ يضيّقُ عليهم ويمنع عنهم المساعدات الكافية ولا يسمح إلا بدخول نزر يسير من قوافل الإغاثة، ويمنع إدخال البيوت الجاهزة، ويرفض السماح بإزالة الأنقاض والشروع في إعادة إعمار ما تهدَّم… وقد صرَّح بعض مسؤوليه المجرمين مجدَّدا بأنّهم لن يسمحوا بإعادة إعمار القطاع إلا إذا قبلت حماس نزع سلاحها، وهذا يعني ببساطة ووضوح أنّه ما دامت حماس لن تستسلم ولن تسلّم رقبتها ليذبحها هؤلاء المجرمون النازيون من الوريد إلى الوريد، فالنتيجة الواضحة للعيان: استمرار تشرُّد 2.4 مليون فلسطيني بغزة، وتفاقم معاناتهم مع البرد الشديد شتاءً والحرارة الخانقة صيفًا، والعيش في منطقة خالية من مظاهر الحياة؛ لا مياه نقية، ولا شبكات صرف صحي، ولا طرق معبَّدة، ولا كهرباء، ولا مدارس، ولا جامعات، ولا مستشفيات ومراكز علاج كافية… فقط الجوع والأمراض والمعاناة مع التشرُّد والقوارض والثعابين… وهدفُ الاحتلال لم يعُد يخفى عن أحد وهو تيئيس سكان غزة بمرور الوقت لدفعهم إلى الهجرة بلا عودة وترك أراضيهم لقطعان المستوطنين الفاشيين.

اللهم انشر للفلسطينيين من رحمتك وهيِّئ لهم من أمرهم رشدا.

مقالات ذات صلة