الجزائر

معاناة بوكراع مصدق دامت 30 سنة: يقطن اسطبلا ويعاني مرضا غريبا ينهش ساقه

الشروق أونلاين
  • 1080
  • 0

يعيش المعاناة بكل صورها، مرض غريب أصاب احد ساقيه، وضعية اجتماعية مأسوية، يصارع يومياتها داخل مستودع أشبه بإسطبل لحيوانات رعاة البقر بأفلام “الوسترن”، قاعة لا تصلح أن تكون حتى مأوى لحيوانات أليفة، بل إن أكواخ القصدير أرحم بكثير من ذلك المستودع الذي يعد أيامه‮ ‬الأخيرة‮ ‬لينهار‮ ‬على‮ ‬من‮ ‬فيه‮.‬‭ ‬
فوجئنا ونحن بصدد إجراء هذا التحقيق أن معاناة السيد مصدق لا تنحصر في المرض الغريب وعجزه عن دفع تكاليف العلاج، لأن وقوفنا على يوميات هذه الحالة جعلتنا نغض الطرف ولو للحظات عن حالته الصحية، لنقف مندهشين ونحن نحاول صعود سلالم خشبية مهترئة بمعية هذا المريض الذي كان في كل مرة ينبهنا من خطر الأرضية الهشة، هو مستودع قديم منذ العهدة الاستعمارية، أرضيته مهددة بالسقوط، والأدهى والأمرّ تلك القمامات التي ملأت المستودع، أما عدد القطط فحدث ولا حرج، فهي تتجول في هذا المستودع بكل حرية، تقاسمه الأكل والمبيت. المكان كان أشبه بغرفة تبريد لشساعته، وما زاد من ذهولنا عند دخولنا المكان أنه بمجرد خطونا لأول خطوة بداخل المستودع أصبنا بغثيان ودوار جعلنا نتساءل عن قوة الإرادة والصبر لدى هذا المواطن الذي كان في منتهى الهدوء وهو يؤكد لنا أن هذا الجو الرهيب ساهم بقدر كبير في تقهقر حالته الصحية‮. ‬
قضى حياته العملية ككاتب إدارة منذ 30 سنة بمقر الولاية والمرض الغريب الذي أصاب ساقيه يتطور شيئا فشيئا ليتحول من مجرد ألم داخلي إلى تشوه ظاهري أتى على ساقيه الاثنتين ليجعله يعيش مرارة الحياة بجميع صورها.
بوكراع هو اسم هذا الشخص الذي أصيب بالمرض الغريب الذي بدأ معه حين التحاقه -يقول- بالخدمة الوطنية سنة 1975، ومنذ ذلك الوقت وتطورات متلاحقة تظهر على حالته الصحية بداية من نقص في حاستي السمع والبصر أوجاع متواصلة على مستوى الرأس إلى جانب تساقط كامل أسنانه، مراجعته‮ ‬للكثير‮ ‬من‮ ‬الأطباء‮ ‬بعدة‮ ‬ولايات‮ ‬لم‮ ‬تكن‮ ‬لتأتي‮ ‬بنتيجة‮ ‬تذكر‮ ‬لأن‮ ‬المرض‮ ‬لم‮ ‬يعرف‮ ‬بعد‮.‬
معاناة السيد مصدق لم تقف عند مرض رافقه ثلاثة عقود فحسب، فهو يعاني من ضيق في التنفس وقلة النوم الذي يسببه المأوى الذي تنعدم فيه شروط التدفئة في الشتاء والتهوية في الصيف، لكن إرادة هذا المريض أدهشتنا وهو يطلعنا على أكوام من المجلات والجرائد التي يطالعها دون انقطاع‮ ‬لدرجة‮ ‬تمكنه‮ ‬من‮ ‬عدة‮ ‬لغات‮ ‬كالإسبانية‮ ‬والإنجليزية‮ ‬والألمانية‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يسبق‮ ‬له‮ ‬أن‮ ‬درسها‮ ‬في‮ ‬قاعات‮ ‬الدرس‮.‬
بوكراع مصدق اليوم حبيس مستودع أشبه ببيوت رعاة البقر بأفلام “الوستارن” ينزل ويصعد في اليوم عدة مرات عبر سلالم مهترئة من الخشب رغم أن رجليه لا تقويان على المشي حتى على طريق مستوي، ومن حسن حظه أن إقامته بالقرب من مطعم الخدمات الاجتماعية الذي قيل لنا إن هذا المطعم سيرحل الأيام القادمة مما سيحول حياته إلى جحيم تجتمع فيه كل صور المعاناة، تخلى الجميع عنه وهو اليوم لا يطلب إلا مساعدته على علاج مرضه المستعصي وتمكنه من الإقامة ولو بغرفة بالأحياء الجامعية، لأنه وببساطة لا يفكر في بناء أسرة، فقد تلاشى هذا الحلم مع حجم المعاناة‮ ‬الشخصية،‮ ‬ولولا‮ ‬المرض‮ ‬لكان‮ ‬‭-‬حسبه‭-‬‮ ‬متصرفا‮ ‬إداريا‮ ‬يحظى‮ ‬بكل‮ ‬الامتيازات‮. ‬‭ ‬

ـــــــ
‭ ‬ح‮. ‬فاطمة‭

مقالات ذات صلة