-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معركة‮ ‬أحذية

الشروق أونلاين
  • 2660
  • 2
معركة‮ ‬أحذية

ما كدنا يوم أمس نخرج من المسجد بعد صلاة التراويح، حتى انقطع التيار الكهربائي. الحي كله انقطع عنه التيار، ومعنى هذا في عرف السكان، أن الكهرباء لن تعود إلا مع ضوء النهار. الظلمة خلقت إرباكا غير مسبوق أثناء الخروج من المسجد للجموع الغفيرة التي جاءت لأداء صلاة التراويح. الحمد لله على أن الانقطاع حدث بنحو دقيقة فقط بعد التسليم. لو أن هذا حدث قبل عشرين سنة، لاندفع الناس إلى الخارج مدفوعين بالاعتقاد أن سرقة كبرى تحدث الآن أو مداهمة أو محاولة اغتيال. فقد قتل شرطي في الحي قبل عشرين سنة بعد أن أطفأ مجهولون الكهرباء عن الحي لتنفيذ العملية في قلب المدينة. المهم، والحمد لله أن الانقطاع جاء بسبب عطل أو تحمل حراري زائد، فيما يبدو.. لذا لم يخرج الناس خائفين، وإنما خرجوا قلقين لأنهم لم يكونوا يرون أين توجد أحذيتهم وماذا سيلبسون عند الخروج. لهذا راح أحدهم، وهو عادة ما يكلف بأمر النداء، أي يلعب دور “مكبر الصوت” لأن فمه كان عريضا بشكل لافت للنظر حتى أن الأطفال يسمونه “La baleine” بسبب فمه وصوته الخشن المرتفع. هو المسمع وهو من يعوض مكبر الصوت عندما تنطفئ الكهرباء. راح الرجل ينادي: كل واحد يلبس اللي لقى قدامه وغدوة إن شاء الله كل واحد‮ ‬يرد‮ ‬اللي‮ ‬أداه‮ ‬ويدي‮ ‬صباطه‮ ‬أو‮ ‬نعالته‮.. ‬ياجماعة‮.. ‬غير‮ ‬بالسياس‮.. ‬ما‮ ‬تدامروش‮..‬

 

كان هو ينادي ويبحث عن شيء يضعه في قدميه، بالقرب من أقدامي. كان مطأطأ الرأس.. ويدخل رأسه تحت السجادة بحثا عن نعالة مختبئة.. وإذا بي أنا عوض أن أرمي رجلي في بلغة بدت لي بيضاء، أو هكذا خيل لي.. رميت رجلي في فمه الذي كان مفتوحا كفم البلغة. من فرط الخلعة.. صرخت، ومن فرط الفزع هو.. سكت. لأن فمه قد انغلقت فواهته برجلي كمن يغلق مغارة بصخرة. المشكل أني لم أصرخ فزعا، بل ألما أيضا، لأنه أطبق على أصبع رجلي اليمنى الأكبر بعضة كدت أن أترك أصبعي في فمه.

سكت‮ ‬الرجل‮ ‬عن‮ ‬الصراخ‮ ‬والنداء‮ ‬وراح‮ ‬يدفل‮ ‬ويتقيأ‮.. ‬وأنا‮ “‬أوحوح‮”: ‬أححححح‮.. ‬أحححح‮…‬

وجدت في الطريق بلغة بيضاء لطفل يبدو أنهم اشتروها له بمناسبة أول يوم صيام له.. وضعتها في أصبعي الكبير للرجل اليسرى والرجل اليمنى بقيت بدون نعالة. في هذا الوقت، عاد النور! وتعالَ لترى الناس ماذا كانوا يلبسون: واحد لابس فردة صباط أكحل وفردة أديداس زرقاء.. واحد لابس نعالة اليمنى بيضاء في اليسرى، وبليغة صفراء في الرجل الأخرى. وواحد خارج كيفي بفردة بليغة طفل بيضاء التي كنت أنا أدخلها في أصبعي الأكبر للرجل الأخرى غير المعطوبة. أما الطفل فكان يبكي بين ذراعي والده الذي كان لا يلبس شيئا، وقد عول على الانطلاق بمرسيدس آخر‮ ‬موديل‮.. ‬بالحفا‮…. ‬أما‮ ‬الرجل‮ ‬مكبر‮ ‬الصوت،‮ ‬فكان‮ ‬يلبس‮ ‬تقاشير‮ ‬أخضر‮ ‬والرجل‮ ‬الأخرى‮ ‬كانت‮ ‬بدون‮ ‬تقاشير‮ ‬وبصباط‮ ‬أحمر‮.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • ياسين

    لم استطع اكمال قراءة المقال من فرط الضحك حتى أدمعت عيناي؟ بالفعل يا عمار و شر البلية ما يضحك هكذا قال الأقدمون؟ و لم أضحك هاته الضحكة منذ مدة أي منذ بداية التسعينات لما منت أقرأ مقالاتك الجدية- بصيغة الهزل و التي كانت تنشر في جريدة الصح آفة... شكرا أستاذ عمار على جدك الهزلي...

  • نورالدين الجزائري

    كم تنميت أن أقرأ موضوع يتكلم عن معركة العقول ! هذخه النعمة المهدرة فقداناها بل هي التي راحت عنا لأننا لم نعطيها قيمتها الحقيقة : جوهرة قيادة الإنسان من المهد إلى اللحد . و من الصدف المعاكسة تماما أن مكانة العقل في العلى و مهمة الحذاء في أقصى السافلين ، ياهل ترى أن إنقطاع الإنارة يؤدي بنا أن نلهى و نتعارك على الأحذية ؟ أي ذهاب العلم يلهينا عن إستعمال العقل ؟ إذا سلمنا أن العقل غير العلم و الذكاء وسيط بينهما ؟ آه لهذا الله تعالى يقول : يا أولوا الألباب أي يا أهل العقول . العقل هو الحكمة وما تحمله