الرأي

معركة الطوفان والعِبْءُ الاستراتيجي على الكيان الصُّهيوني

ناصر حمدادوش
  • 884
  • 0

لم تكن معركة طوفان الأقصى يوم 07 أكتوبر 2023م، وعلى مدار عامين كاملين، معركةً عابرة، ولا فصلا معزولًا عن التاريخ المشرق للنِّضال الفلسطيني الممتد في عمق عقيدة المقاومة الخالدة، بل شكَّلت منعطفًا حاسمًا في إدارة هذا الصراع الوجودي، وهي الحرب التي وُصفت صهيونيًّا بأنها الأطول والأصعب في تاريخ الكيان، فهي حربٌ وجوديةٌ متعددة الجبهات، لم يعرف الكيان مثلها منذ تأسيسه، وقد أحدثت جُرحًا عميقًا هزَّ ثقة الصَّهاينة فيه، وما حجم الوحشية في ردّ الفعل إلا صرخةٌ في وجه البقاء.

لم تفجِّر المقاومة الفلسطينية هذه المعركة من فراغ، بل جاءت ضمن سياقاتٍ خطيرة، كانت تستهدف إبادة القضية الفلسطينية من أساسها، فقد كانت تشهد انسدادًا كاملًا، وتهميشا كليًّا، وانقسامًا حادًّا، واختلافًا حول المشروع الوطني أساسًا.

بالإضافة إلى تسارع السياسات الصهيونية المتطرفة في توسيع الاستيطان، وإجراءات الضمِّ في الضفة الغربية، والتهجير القسري، والحصار الخانق لقطاع غزة، وتهويد مدينة القدس، والانتهاكات المتكرِّرة للمسجد الأقصى المبارك، والقيام بالطقوس الدينية التلمودية المؤْذِنة بهدم المسجد، وبناء الهيكل المزعوم، وتجميع كلِّ يهود العالم فيه.

كما أنَّ مشروع التطبيع الجارف بدأ يلتهم دولًا عربية، في ظلِّ تحييد القضية الفلسطينية عن كلِّ الأجندات العربية والإقليمية والدولية، بل وإلقاء اللوم الكامل على الفلسطينيين بأنهم أصل المشكلة، وهو ما جعل من هذه الظروف القاسية في البيئة الداخلية والخارجية للقضية الفلسطينية بيئةً مناسبةً لهذا الطوفان الهادر.

ومهما يُقال عن إمكانية توافق إرادة اليمين المتطرِّف الحاكم في الكيان الصهيوني وبين إرادة المقاومة، ضمن سياقاتٍ أمنيةٍ واستخباراتيةٍ وعسكريةٍ معقدة يوم 07 أكتوبر 2023م، بحدوث اختراقٍ متبادلٍ بينهما في تفجير هذه المعركة، والتي تحوَّلت إلى حربٍ حقيقية، فإنَّ الكيان الصهيوني لا يحتاج إلى تبريرٍ لتصفية القضية الفلسطينية من الوجود، وهو المستعجل في إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، وتحقيق أوْهام “إسرائيل الكبرى” من نهر الفرات بالعراق إلى نهر النيل بمصر، قبل حلول لعنة العقد الثامن، على بُعد سنواتٍ قليلة منها في حدود 2028م، وهو ما يفسِّر جنون القوة والتوحُّش في العدوان، الذي تجاوز محاولة استئصال المقاومة في غزة إلى حربٍ شاملةٍ على كلِّ مكوِّنات الشعب الفلسطيني، في القطاع والضفة الغربية وأرض 1948، والأسرى في سجون الاحتلال، والاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك، ليصل الهجوم إلى سبعِ دولٍ عربيةٍ وإسلامية، وهي: لبنان وسوريا والعراق وإيران وقطر واليمن وتونس.

لقد أعادت هذه المعركة تعريف العديد من المفاهيم، ورَسَمت صياغاتٍ جديدة لمصطلحات الاشتباك بين العدو الصهيوني والمقاومة الفلسطينية، ومنها: مفهوم القوة، ومعايير النصر والهزيمة، وفن الممكن السياسي والعسكري.

وما حدث من أهوال المواجهة الدموية القاسية يتجاوز منطق القوة العسكرية، إلى تأكيد حقيقةٍ ماثلة، وهي أنَّ المقاومة -وإنْ بَدَت محاصَرةً ومتواضعةً في إمكاناتها العسكرية- إلا أنها أثبتت مركزيتها في الصراع، ومحوريتها في توازنات القوة الإقليمية والدولية.

لقد برْهَنت المقاومة على قدرة الإمكان في الانبعاث من تحت الحصار والدمار والرماد لرسم مساراتٍ إستراتيجيةٍ جديدةٍ للقضية الفلسطينية، وأنه لا يمكن تصفيتها بغرور القوة عبر العسكرية الغربية المسيطرة على 80% منها في العالم.

لم تكن معركة طوفان الأقصى إذن مجرد طلقةٍ طائشةٍ على الكيان الصهيوني يوم 07 أكتوبر 2023م، بل كانت إيذانًا بزوال أقذر مشروعٍ استعماري نازي جاثمٍ على صدر الأمة العربية والإسلامية والعالم، وهو المشروع الاستعماري الصهيوني الغربي، عبر نوعٍ جديدٍ من المقاومة، وهي المقاومة المركَّبة، التي يتداخل فيها الإعجاز العسكري مع البراعة السياسية، والأداء الإعلامي المتميز مع معركة الوعي العميقة، وحرب المعلومة والصورة مع ضرب السردية الصهيونية المزيَّفة، وتحمُّل مأساة الحاضنة الشعبية الصامدة مع الإدارة الحكومية المدنية الثابتة، ومكافحة خنجر العملاء في الميدان مع الصبر على الأزمة الإنسانية الخانقة، وشراسة المعركة العسكرية على الأرض، لا تَقِلُّ ضراوةً عن المصابرة في معركة المفاوضات، وإدارة الضغوط الدولية.

إننا أمام نمطٍ جديد من المقاومة، وأمام شكلٍ مبدعٍ من المواجهة، والتحوُّل الأهم لا يتعلق بموازين القوة فقط، بل بمآلات ما بعد الطوفان، فنحن أمام لحظةٍ تأسيسيةٍ جديدة، تتجاوز مفهوم المقاومة بمعناه الإيديولوجي والعسكري الضيِّق إلى المفهوم الإنساني الأوسع، وهو شرعية المقاومة في قيادة مشروع التحرُّر الوطني، قد كسب كلَّ هذه الرمزية والشرعية والتأييد العالمي، ليتعانق زخم المقاومة المسلحة مع أشواق الدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًّا.

هذا ما يجعلنا نتجاوز كشف الحساب في ميزان الربح والخسارة بالمعايير المادية في عالم الأشياء، إلى التوغُّل في عمق النظر إلى العبء الاستراتيجي الذي تكبَّده الكيان الصهيوني، رغم الاختلال الكبير في ميزان القوة لصالحه.

ومما لا شك فيه أنَّ العدو الصهيوني حقَّق بعض المكاسب في هذه الحرب، ومنها: الوصول إلى تصفية قياداتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ من الصف الأول في فلسطين ولبنان وإيران واليمن، وألحق أضرارًا كبيرة على مستوى محور المقاومة ووحدة الساحات، وحافظ على حالةٍ من الرَّدع الإقليمي في المنطقة، وبالرغم من الضغوط الدولية إلا أنه لم يخسر الحليف الاستراتيجي له، وهو أمريكا وبعض الحكومات الغربية، ورغم الضغوط الداخلية للمجتمع الصهيوني إلا أنه حافظ على وحدة الحكومة ومجلس الحرب، ورغم الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية إلا أنه استطاع أنْ يخوض حروبًا متوازية على عدة جبهاتٍ في آنٍ واحد، وبالرغم من حجم الجرائم والإبادة والإدانة الدولية الرسمية والشعبية إلا أنَّه حافظ على المطبِّعين، بل وازداد دعمُهم المخزي في هذه الحرب الفاضحة.

ومع ذلك فقد جرى توصيف هذه الحرب من طرف الإعلام الصهيوني نفسِه بالفشل الاستراتيجي، وبكسب المعركة وخسارة الحرب، وبالنصر العسكري التكتيكي والهزيمة السياسية الإستراتيجية؛ فقد تكبَّد هذا الكيان خسائر استراتيجية غير مسبقة في تاريخه، وهي الخسائر التي يصعب ترميمُها واستدراكها، فقد أدخلته معركة الطوفان في نفقٍ مجهول، أشعر كلَّ الصهاينة في العالم بأزمةٍ بنيويةٍ عميقة، وبتهديدٍ وجوديٍّ بالشكِّ في المستقبل، ممَّا استدعى تعبئةً عالميةً لكلِّ طاقاته وإمكاناته من أجل معركة البقاء.

وبالإضافة إلى الفشل في تحقيق الأهداف العسكرية للحرب، وهي: عجزه عن تدمير القوة العسكرية للمقاومة بشكلِ كامل، وتفكيك بِنيتها التحتية، وعدم القدرة على تحرير الأسرى بالقوة، وهو ما أشَّر على انهيار استراتيجياته في الحسم، واضطراره مرغمًا إلى المفاوضات، وهو الدليل القاطع على الفشل الاستخباراتي والعسكري والسياسي والأخلاقي، فهناك عبءٌ استراتيجي وخسائر مركَّبة، ومنها:

1- التحوُّل العميق في المزاج العالمي، رسميًّا وشعبيًّا ضدَّ الكيان الصُّهيوني، وخاصة في معقل الدعم الأساسي له، وهو أمريكا، ودخوله في مواجهةٍ حتميةٍ مع المجتمع الدولي، وسقوط مبرِّراته الأخلاقية في مواجهة المقاومة، تحت ذريعة “الحقِّ في الدفاع عن النفس”، وهو ما برَّر به “ترامب” ضرورة الذهاب إلى اتفاق وقف الحرب، بما أخبر به مجرم الحرب “نتن ياهو”: “أنَّ إسرائيل لا تستطيع محاربة العالم”، وأنَّ خطته لوقف الحرب هي الاعتراف بأنه لا يستطيع مواصلة الدفاع عنه في مواجهة هذا العالم، فهي إنقاذٌ اضطراري للكيان من غضب المجتمع الدولي، وأنَّ ما تمَّ التوصُّل إليه هو أفضل الممكن من أجل تجنُّب الخطر الأكبر.

لقد تعالت أصوات النقد والمساءلة الأخلاقية والسياسية والقانونية للكيان الصهيوني في الغرب، هَزَمت عمق تأثير الصهيونية فيه منذ عقود من الثقافة الدينية (المسيحية- الصهيونية)، فقد عكست جرائم الحرب على غزة تلقائيًّا تآكل الصهيونية من الداخل، وفي عقر دارها في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.. وغيرها، وهو ما يمكن قياسه في مدى التحوُّل الكبير في الخطاب السياسي وتمثُّلات الرأي العامّ الغربي، رغم حرب الإبادة الإعلامية للمحتوى الفلسطيني في مختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وسط التنافس غير المتكافئ بين خطاب الصهيونية وتأييد إسرائيل من جهة، وبين عدالة الحقوق الفلسطينية ورواية المقاومة من جهة أخرى، وهو ما أعاد تشكيل بيئةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ لصالح القضية.

2- العجز عن حسم المعركة بالقوة العسكرية، رغم الاختلال الكبير في ميزان القوة لصالحه، ورغم الدعم الغربي المطلق، ومن ذلك: العجز عن تحرير أسراه بالقوة، واضطراره في النهاية إلى التفاوض على ذلك، فالقويُّ إذا لم ينتصر فهو مهزوم، والضَّعيف إذا لم يُقضَ عليه فهو منتصر، فصمود المقاومة طيلة هذه الحرب المروِّعة يمثِّل إخفاقًا تاريخيًّا لهذا الكيان.

ولا تتوقف المسألة عند هذه المعركة؛ فبقاء المقاومة والفشل في استئصالها، بكلِّ جنون تلك القوة، يشكِّل تهديدًا استراتيجيًّا مستقبليًّا للكيان الصهيوني، إذْ أثبت تاريخ المواجهات أنَّ المقاومة مهما دفعت من أثمانٍ باهظةٍ على مستوى صفِّها القيادي السياسي والعسكري فإنها تخرج منها دائمًا أقوى مما كانت عليه، لأنها فكرةٌ عقائدية لا يمكن القضاء عليها باغتيال قادتها، والأجيال القيادية اللاحقة تتجاوز في عبقريتها القيادات السَّابقة، وأدنى عوامل تفوُّقها، هي الاستفادة من الخبرات الميدانية من هذه الحروب.

بعد عامين من الحرب غير المسبوقة في تاريخ المواجهة مع العدو الصهيوني، وهي الحرب الأكثر دموية وإيلامًا، إلا أنها جسَّدت عمق الألم الحقيقي لهذا الكيان السَّرطاني في الآية الكريمة: “وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ..”(النساء: 104)، وتداعيات ما بعد الطوفان سيكون بدايةً لدورةٍ حضارية جديدةٍ لصالح الأمة، وقد كتبت المقاومة الفلسطينية السطر الأول فيها بعد زوال إسرائيل قريبًا.

لا تتوقف المسألة عند هذه المعركة؛ فبقاء المقاومة والفشل في استئصالها، بكلِّ جنون تلك القوة، يشكِّل تهديدًا استراتيجيًّا مستقبليًّا للكيان الصهيوني، إذْ أثبت تاريخ المواجهات أنَّ المقاومة مهما دفعت من أثمانٍ باهظةٍ على مستوى صفِّها القيادي السياسي والعسكري فإنها تخرج منها دائمًا أقوى مما كانت عليه، لأنها فكرةٌ عقائدية لا يمكن القضاء عليها باغتيال قادتها، والأجيال القيادية اللاحقة تتجاوز في عبقريتها القيادات السَّابقة، وأدنى عوامل تفوُّقها، هي الاستفادة من الخبرات الميدانية من هذه الحروب.

مقالات ذات صلة