الرأي

معركة من أجل فهم دور الثقافة في بناء الهويات

عمر أزراج
  • 2257
  • 4

بعد مضي يوم واحد على عودتي من جامعة “شرق لندن” قصدت مكتبات مدينة لندن التي تقدم للإنسان الراغب في التحصيل العلمي عرسا ثقافيا دائما لا نظير له فاشتريت تلك الكتب المقررة كلها وشعرت بالسعادة تغمر صحارى دنياي بزخات أمطارها.

 اشتغلت شهرين كاملين ليلا ونهارا على تلك الكتب بالتركيز على الفصول الأكثر أهمية، وفي الوقت نفسه اقتنيت عددا من الكتب الإضافية التي تعرَف ماهية الدراسات الثقافية، وتؤرخ لمسارها عندما بدأت كمشروع خارج المؤسسة الأكاديمية الرسمية بمركز بيرمينغهام لتفكيك المنظومات الفكرية والثقافية اليمينية حيث تم ذلك تحت إشراف وقيادة المفكر اليساري البريطاني ريتشارد هوجرت ثم استلم منه هذه المهمة المفكر ستيوارت هول المنحدر من جمهورية جاميكا الكاريبية.

لقد شاءت الصدف أن ألتقي الناقد والمفكر ستيوارت هول فيما بعد ونصبح أصدقاء له دور في حياتي الثقافية. في تلك المرحلة الزمانية كانت الدراسات الثقافيةكتخصص حديث العهد متعدد المناهج والمنظورات النظريةتمثل نشاطا فكريا يساريا تتحدد مهمته في كسر محرمات المناهج الدراسية الخاصة بالعلوم الانسانية المقررة في التعليم الجامعي البريطاني والتي تميزت بتطرف تمركزها الغربي وبالتوجه الأيديولوجي البورجوازي اليميني التقليدي وخاصة في عهد رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر.

من دواعي السعادة في حياتي في تلك المرحلة أن أرى مؤلفات إدوارد سعيد، وفرانز فانون بين أيدي الطلبة الأوروبيين وعلى رفوف المكتبات العامة والجامعية. كنت أتأملها بشغف وهي تطل من واجهات المكتبات وكنت أعوَض بها، على نحو غير واع، عن ابتعادي عن الجزائر الذي يشبه الفقدان المؤلم وحينذاك صرت أقول لنفسي: “هذه المؤلفات تحمل رائحة بلادي، وقد أدى بي هذا الإحساس بالجهر بمشاعر الاعتزاز أمام المثقفين البريطانيين الذين كنت ألتقيهم في الندوات الأدبية والفكرية وفي الحلقات الدراسية وغيرهم من المثقفين المنتمين من حيث الأصل إلى جنسيات أخرى.

في تلك المرحلة كانت كتابات فرانز فانون وإدوارد سعيد تعدّ في نظر اليسار البريطاني من أساتذة وطلبة بداخل مؤسسات التعليم العالي بمثابة الرد الفكري النقدي الأكثر نضجا على المظالم الاستعمارية الأوروبية المدعمة بالخطابات الثقافية والفكرية اليمينية الأوروبية  /الغربية المبررة والمسوغة للاحتلال منذ القِدم لغاية إتمام أوروبا لبرنامج ضمّ ثلاثة أرباع أراضي المعمورة لخريطتها الجغرافية.

لقد حاولت أن أسأل نفسي مرارا هكذا: “لماذا أصرّ على تذكير المثقفين البريطانيين وغيرهم في تلك الندوات التي كنت أحضرها بكثافة وباستمرارسواء في فضاء مدينة لندن ومراكزها الثقافية وجامعاتها أو في أماكن أخرى_ بتحليلات ونقد فانون وإدوارد سعيد للظاهرة الكولونيالية الأوروبية؟بعد التفكير مليّا أدركت أنني كنت من جهة أعلن أمامهم عن هويتي وانتمائي للعالم الثالث بقصد كسر عقدة الدونية التي تلازم الكثير من مهاجرينا المقيمين في الغرب، ومن جهة أخرى فقد استنتجت بأنني كنت أبرز لهم أن فرانز فانون المارتينيكي الجذور، وإدوارد سعيد الفلسطيني ليسا صوتين معزولين وإنما يعبران عن مضامين وجهة نظر قطاع وطني من أبناء مجتمعاتنا التي تنشد التحرر والاستقلال الحقيقي رغم سيطرة الأنظمة الموالية للغرب والتابعة له والتي تعيد إنتاج سياساته وطرائق حكمه على السلطة في عقر فضائنا في مرحلة الاستقلال الشكلي، وهي الأنظمة التي لا تزال تعرقل مشروع فك الارتباط مع المراكز الاستعمارية سابقا والمهيمنة لاحقا، وبالتزامن فإنها ما فتئت تكرس ترسانة ثقافة التبعية بكل أنماطها.

لاشك أن قراءاتي الجديدة لمؤلفات كل من فانون وإدوارد سعيد ضمن مناخ الغربة جعلتني أفهم أنهما يخاطبان الغرب بالدرجة الأولى، وأنهما قد استطاعا استقطاب الرأي العام الفكري والسياسي في الجامعات والمؤسسات التعليمية وفي فضاء المجتمع المدني في أوروبا/ الغرب لأنهما يملكان عدالة القضية من جهة، ولأنهما من جهة أخرى قد تمكنا من مخاطبة الغرب بلغته، ومن استيعاب ثم توظيف أرقى وأحدث النظريات والمفاهيم الفكرية وأدوات التحليل المنهجي النقدي المستمدة غالبا من المنجز الفلسفي والثقافي الأوروبي/ الغربي الأمر الذي مكّنهما بالنتيجة من الكشف النقدي القوي والمقنِع عن تناقضات وإخفاقات ومظالم الفكر الغربي تجاه شعوب العالم الثالث.

لاشك أن أهمية كل واحد منهما تكمن في طريقته الخاصة أيضا في تحقيق عمليات إبراز الجوانب المظلمة للوعي واللاوعي الأوروبيين المحايثين لمواقف المركزية الغربية المصفحة بالحديد والفولاذ أولا، وثانيا فهما قد قاما بالتعبير الفصيح عن وجود طاقات فكرية وكتابات مهمّة أخرى في بلداننا لم توصل إلى مجتمعات أوروبا والغرب وآسيا البعيدة والقريبة لتجد مكانا لنفسها في المناهج التعليمية لهذه البلدان جراء تقاعس وفشل وزراء وزيراتالثقافة والتعليم ببلداننا الذين هم كذلك ضحايا الجهل وذهنيةالقربيالمغلق على نفسه، وبسبب عادات الانكماش التي تسجن إنتاجنا الثقافي والفكري والفني داخل قوقعة وأسوار مكتباتنا المحلية الفقيرة جدا والتي كُتب عليها وعلى روادها أيضا هذا التصحر الثقافي الأبدي.

بعد شهرين تقدمت إلى المسابقة وقدمت بحثا عنالجغرافيا كبُعد ثقافيفي كتابات إدوارد سعيد، وبالتزامن فقد مثلت بين أيدي اللجنة الممتحنة التي ناقشتني في مفهوم الثقافة، وفي فكر الثقافة النسوية بالتركيز على إنتاج جوليا كريستيفا، وكذلك في أوجه تأثير الاستعمار على المجتمع الخاضع للاستعمار. أذكر أنني تحدثت معهم أولا عن مفهوم الثقافة باعتبارهذلك الكل المركب المعقد الذي يشمل المعرفة، والمعتقد، والفن، والأخلاق، والقانون، والتقاليد، والقدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمعحسب ما ذهب إليه الأنثروبولوجي البريطاني إ. ب. تايلور، وأنهاالسلوك الذي نتعلمه من المجتمع أو من مجموعة بشرية ثانويةوفقا للأمريكية مارغريت ميد، هذا وتوقفت طويلا عند الجهد الرائع الذي بذله المفكر ريموند وليامز لتعريف الثقافة بشكل عام، ولتحديد سماتها وخصائصها كما هي في مجتمعه البريطاني، وهو الذي يعتبر أن الثقافة: “تشمل تنظيم الإنتاج، وبنية العائلة، وبنية المؤسسات التي تعبر عن العلاقات الاجتماعية، أو تحكمها، وأنها الأشكال المميزة التي يتصل من خلالها أعضاء المجتمع ببعضهم البعض“.

لاشك أن هذه التعريفات يرفدها ويدعمها المفكر والناقد كليفورد غيرتز القائل: “إن الثقافة ببساطة هي مجموع الحكايات التي نرويها عن أنفسنا“. ولكي تتضح الصورة أكثر قلت لهم إن الثقافة ليست مجرد رأسمال رمزي خارجي وإنما هي أيضا ما ترسب في اللاوعي البشري بفعل الكبت أو النسيان أو القمع، وهو ما نجده يبحث باستمرار عن نافذة ما ليخرج منها إلى العلن وخاصة في لحظات انفجار المقاومات الفردية أو الجماعية، أو أثناء الأزمات الفردية، أو المجتمعية المصغرة، أو الوطنية.

لقد أعجبني المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان القائل بما معناه أن اللاوعي (الذي هو السجل الرمزي) مشكل مثل اللغة، وهنا قمت بتوسيع النقاش حول هذا المفهوم وقلت بأن الثقافة هي جزئيا ظاهرة لا واعية ومشكلة هي أيضا مثل خلية الأسرة أو محيط المجتمع اللذين أفرزاها في تاريخ ومكان معينين.

وحينما طرحت اللجنة الممتحنة عليّ سؤالا مركّبا عن أهم الأطوار التي مرّ بها الفكر النسوي الأوروبي/ الغربي وماهي الأجهزة النظرية التي وظفتها المفكرات والناقدات النسويات على ضوء كتابات الناقدة والمنظّرة البلغارية الاصل والفرنسية الجنسية جوليا كريستيفا؟ في تلك اللحظات المحاصرة بالقلق والأمل طلبت من رئاسة تلك اللجنة منحي فترة راحة قصيرة، وبلطف أجابني رئيسها بنعم وتسللت بهدوء إلى خارج القاعة وتنفست الصعداء وبعد قليل عدت لاستكمال الاجابة عن موقع وتاريخية الفكر النسوي الغربي، وآلياته النظرية ضمن حركة التحرر الاجتماعي والسياسي من السجل الرمزي الذكوري المهيمن في المجتمع، وعلى تشكيل الذاتيات الخاضعة، وهي القضايا الساخنة، حتى هذه اللحظة، التي سأتحدث عن تفاصيلها في المقال القادم.

 

(يتبع)

مقالات ذات صلة