الرأي

معضلة سوريا.. جغرافيا الصراع وتحديات التحول الديمقراطي

سيف الدين قداش
  • 458
  • 0

مع سقوط نظام آل الأسد، تبرز سوريا كواحدة من أعقد القضايا الجيوسياسية في العصر الحديث، فهي ليست مجرد دولة مزقها الصراع الداخلي والتدخل الخارجي منذ عام 2011، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والكبرى، فلقد فتح سقوط النظام الباب أمام سيناريوهات متباينة قد تعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط، لكن وسط كل ذلك، يبقى الشعب السوري هو الضحية الأكبر في معادلة تفرضها حسابات المصالح الدولية، وأدوات الصراع، فنظام آل الأسد، الذي كان هشا من الناحية الهيكلية والإدارية، تحوّل إلى عنوان للإجرام والهمجية ونموذجا للفشل السياسي والاجتماعي، إلا أن تدمير البنية التحتية، وتشريد الملايين، وتفكيك مؤسسات الدولة، جعل الثمن الذي تدفعه سوريا وشعبها باهظا إلى حدّ لا يمكن لأي طرف تبريره.

أداة للفوضى أم للسيطرة؟

أدّت القوى الكبرى دورا محورياً في استغلال الجماعات الإسلامية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، فتجربة الولايات المتحدة مع تنظيم “القاعدة” في أفغانستان وحركة “طالبان” تمثل مثالا واضحا لإستراتيجية “التوظيف ثم التصفية”.
وفي سوريا، قد يعاد استخدام هذه الإستراتيجية عبر الجماعات الإسلامية المسلحة، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، التي تصنَّف دوليا منظمة إرهابية. هذه الجماعات، التي بدأت طرفا مناهضا للنظام، تحولت إلى ورقة ضغط قد تُستخدم لإعادة صياغة التوازنات السياسية والعسكرية في سوريا، فمن جهة، تُستغل لتبرير التدخلات الدولية مثلما فعل الكيان الصهيوني بقصف مقدرات الجيش السوري ولخلق استقطاب مجتمعي بين التيارات الإسلامية والمعارضة المدنية. ومن جهة أخرى، قد تكون مستهدَفة مستقبلا في إطار خطط دولية لتبرير القضاء عليها وضرب معاقلها بعد أن تستنفد دورها الوظيفي.

لكن السؤال الأهمّ هو: كيف وصلت هذه الجماعات إلى السلطة وهذه القوة من دون أن تنجح في أن تصبح جزءا من مشروع وطني جامع؟ الإجابة تكمن في إستراتيجية “التفكيك الموجَّه”، إذ يُسمَح لهذه الجماعات بالنمو في بيئات مضطربة لتصبح أداة للتقسيم وضمان استمرار الفوضى، مما قد يمنع أي تحول سياسي يعيد للسوريين سيادتهم على بلادهم.

لعبة إسرائيلية أم مخطط دولي؟

منذ اندلاع الصراع، تعرّض الجيش السوري لسلسلة من الضربات الممنهجة، ليس فقط من القوى الداخلية بل من أطراف خارجية، أبرزها الكيان الصهيوني، فالغارات الإسرائيلية التي تقصف بطائرات وذخيرة أمريكية وغطاء راداري من قوات “السنتكوم” لم تتوقف على مدار الصراع، لكنها وصلت ذروتها بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر الجاري، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من القدرات العسكرية السورية قد دُمّرت خلال فترة قصيرة، فاستهداف الدفاعات الجوية والرادارات، التي لم تكن طرفا مباشرا في الصراع الداخلي وليست أسلحة هجومية، أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه الهجمات، ومن خطط لها؟ ومن يقف وراءها؟ ولماذا لم تُحمَ هذه المنشآت؟ وكيف تركها المسؤولون عنها سريعا رغم بعدهم عن أزمة الصراع الأهلي؟.

الجواب يكمن في مخططات إستراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك القدرات العسكرية السورية لضمان تفوُّق الكيان على المدى الطويل، وتمهيد الطريق أمام مشاريع توسُّعية محتملة، فتصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن “إسرائيل صغيرة وتحتاج إلى مساحة أكبر”، تحمل أبعادا جيوسياسية تعكس مخططات لتفكيك الدول المحيطة وضمان حيادها في المستقبل مع إمكانية التوسع على حساب أراضيها لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى”.

الفوضى المنظمة لإعادة تشكيل النظام الدولي

تحوّلت سوريا، مثلها مثل العراق وليبيا، إلى مختبر للفوضى المنظمة، هذه الفوضى ليست عشوائية، بل أداة بيد القوى الكبرى لإعادة صياغة الوضع الإقليمي والدولي، فتفجيرُ الساحة السورية لم يكن خيارا عشوائيا أو دفاعا عن الديموقراطية، بل كان ضرورة جيوسياسية لإضعاف التحالفات التقليدية للمحور الروسي- الإيراني ومنع ارتكازهما عليها كمركز قوة وظيفي في المنطقة رغم أن نظام دمشق كان متهالكا، مما استدعى تدخلهما لمحاولة إسعافه.

تحوّلت سوريا، مثلها مثل العراق وليبيا، إلى مختبر للفوضى المنظمة، هذه الفوضى ليست عشوائية، بل أداة بيد القوى الكبرى لإعادة صياغة الوضع الإقليمي والدولي، فتفجيرُ الساحة السورية لم يكن خيارا عشوائيا أو دفاعا عن الديموقراطية، بل كان ضرورة جيوسياسية لإضعاف التحالفات التقليدية للمحور الروسي- الإيراني ومنع ارتكازهما عليها كمركز قوة وظيفي في المنطقة رغم أن نظام دمشق كان متهالكا، مما استدعى تدخلهما لمحاولة إسعافه.

كما أن التقسيم والفوضى يخدمان مصالح القوى الكبرى، التي تسعى لتكريس حالة التشرذم في سوريا عبر دعم فصائل متصارعة مثل “قوات سوريا الديمقراطية” وتسهيل التدخلات الإقليمية. هذه الإستراتيجية هدفت إلى ضمان تفوُّق تل أبيب ومنع أي دولة شرق أوسطية من العودة كقوة مركزية قادرة على تحدي النظام العالمي القائم، أو تهديد الترتيبات الإسرائيلية الجارية.

التحديات الداخلية والخارجية للتحول الديمقراطي

الحديث عن الديمقراطية في سوريا بعد سقوط النظام يبدو أقرب إلى نظرية معقدة من واقع عملي؛ فالساحة السياسية والاجتماعية مليئة بالتحديات ومنها اختلاف مشارب الجماعات الإسلامية المسلحة وتعدد ولاءاتها ومن ثمة طرقها وخياراتها مع تصاعد النزعات الطائفية والعرقية، فالطوائف المختلفة، بما فيهم العلويون والأكراد، تعاني من انقسامات عميقة ومخاوف وجودية، بتورُّط الطائفة العلوية مع النظام السابق، وتورُّط الثانية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.

كما أن الاستقطاب الأيديولوجي مطروحٌ بقوة خاصة وأن التيارات الإسلامية تسعى لفرض نفسها كنموذج للدولة المقبلة شكلا ومضمونا، ما يثير قلق التوجُّهات الأخرى، وهو أمرٌ خطير من جانب، خاصة مع تجربة الإخوان المسلمين في مصر الذين كان انخراطهم في السلطة المغارة التي ابتلعتهم وأفنت وجودهم السياسي والفكري وصُنّفوا بموجبه “حركة إرهابية”.

كما أنّ بقايا النظام السابق وهم عناصر تائهة الآن، لكنها يمكن أن تُنشئ أو تملك شبكات نفوذ ناقمة ومتورِّطة، قد تعرقل أيَّ تحوُّل ديمقراطي عبر إثارة الفوضى للحفاظ على مصالحها، إذا استُبعدت من المشهد العامّ خاصة أن الانتخابات مستبعَدة حاليا لأنها قد تصبح حالة ارتماء في يد الأفكار المضادة للجماعة الحاكمة الآن.
بدورها دول الجوار لديها حسابات وتوازنات معقدة، وعلى رأسها تركيا وإيران والعراق وتل أبيب، إذ يمكن أن تؤدّي أدوارا متناقضة في الأزمة السورية؛ فتركيا تسعى لضمان عدم قيام كيان كردي مستقل على حدودها، وإيران تهدف إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي من خلال السيطرة على التحولات السياسية الجديدة، خاصة مع حدود سوريا مع العراق ولبنان اللذين لديهما طوائف شيعية منظَّمة عسكريا، فيما تبقى تل أبيب المستفيد الأكبر من حالة الأزمة في سوريا، إذ ضمنت تحييد أي تهديد عسكري قادم من الشمال، وهي تتربص كالتمساح الجائع بأي تحوُّلات أو اضطرابات أمنية لتوسِّع تمدّدها لدمشق بدواعي “إقامة منطقة عازلة” و”حماية أمنها القومي”.

في كل هذا، السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لدول الجوار أن تؤدّي دورا إيجابيا في إعادة بناء سوريا؟ أم أن تضارب مصالحها سيُبقي البلاد رهينة لحالة من عدم الاستقرار الدائم؟

سوريا بين الجغرافيا والتاريخ

يتجلى أن الأزمة السورية ليست مجرد صراع داخلي أو تنافس على السلطة، بل تعكس تحولات عميقة في النظام الدولي، فالقوى الكبرى، التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها، تستغلُّ الموقع الجغرافي والتاريخي لسوريا أداةً لترسيخ هيمنتها، لكن في النهاية، لا يمكن لأي حل أن ينجح من دون احترام إرادة الشعب السوري وضمان سيادة الدولة على كامل أراضيها، فاستعادة السيادة ليست مجرد مطلب وطني، بل ضرورة قصوى لضمان مستقبل سوريا كدولة مستقلة قادرة على النهوض مجددا وسط عالم مضطرب.

مقالات ذات صلة