-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مع المفكر بلعقروز… حين تفتح الفلسفة نافذتها على المجتمع

مع المفكر بلعقروز… حين تفتح الفلسفة نافذتها على المجتمع

حين نتأمل المسار الفكري للأستاذ الجزائري، عبد الرزاق بلعقروز، نكتشف مفكّرا يسعى، بجهد لا يهدأ، إلى أن يردّ الفلسفة إلى الناس، وأن يخلصها من طبقات التعقيد التي جعلتها حبيسة النخب والكتب المغلقة، فيقدّمها من جديد بوصفها قوة إنقاذية يمكن أن تعيد للفرد وعيه وللمجتمع توازنه.

وقد تجلّى هذا السعي في مقاله المنشور يوم 25 أوت على منصة عروبة 22 بعنوان: “في الحاجة إلى الفلسفة بوصفها صيغة من صيغ الوجود!”، حيث يقدّم رؤية تتجاوز حدود التحليل العابر، وتقترب من شكل المشروع الفكري الذي يريد له أن ينهض في المجال العربي، مشروع يستند إلى سؤال عميق حول معنى الإنسان وإمكان بناء حياة قادرة على مقاومة التفكك الذي يعيشه زماننا. ويواصل الأستاذ بلعقروز هذا المسار من النظر إلى العمل عبر برنامجه التلفزيوني “رؤى فكرية” على قناة الجزائرية المعرفة 7، حيث يجعل الفلسفة شأنا شعبيا يطرق أبواب الجميع، ويتيح للمشاهد أن يعيد ترتيب علاقته بذاته وبمعنى وجوده، بما يشبه ما قام به سقراط حين نزّل الفلسفة من برجها المرتفع إلى أرض الناس.

يبدأ بلعقروز قراءته للمشهد الفلسفي العربي عبر تشخيص اتساع اتجاهين يبدوان، في الظاهر، مثالين على حيوية الفكر المعاصر، غير أنّهما في العمق يعكسان أزمة عدم انسجام بين الفكر وواقعه؛ إذ يلاحظ أنّ الفلسفة العربية قد انصرفت نحو المنحى الإبستمولوجي من جهة، والمنحى التأويلي من جهة أخرى. فأمّا الإبستمولوجيا فقد استحوذت على اهتمام واسع انشغل فيه الباحثون بتواريخ العلوم وبنية العقلانية وتحوّلات المعرفة عند باشلار وكانغيلام وغيرهما، وانتقلت هذه الأدبيات إلى القاعات الجامعية من خلال كتب تُعرّف وتشرح وتعرض من دون أن تتحوّل إلى دروب معرفية تنبع من هموم الثقافة العربية أو قضاياها الواقعية. وقد نبّه بلعقروز إلى أن هذا الاستغراق في الإبستمولوجيا يظل عاجزا عن إنتاج إبداع محلي، لأن العلوم التي تستند إليها نشأت في تاريخ آخر، وتحرّكت داخل سياق لا ينتمي إلى تربتنا الثقافية ولا إلى مسارنا الاجتماعي.

وأمّا المنحى التأويلي فقد تمدد بدوره حتى جعل من النصوص مركزا للوعي العربي، إذ تحولت الثقافة والدولة والدين والاجتماع إلى نصوص تستدعي القراءة والحفر والتفسير، وصار المفكر العربي يتنقّل بين دلتاي وشلايرماخر وغادامير وريكور وهايدغر كما لو أنّ الفلسفة لا تُمارس إلا داخل متاهة لغوية واسعة. ويُشير بلعقروز إلى أن هذا الانغماس في النص قد حجب الإنسان الحي الذي تتقاذفه التحديات اليومية، وجعل الفلسفة تنصرف إلى الظلال في حين أنّ الحياة تجري في العراء.

وإلى جانب هذين المنحيين، يستحضر الأستاذ بلعقروز اتجاهات أخرى سعت إلى التغيير عبر الثورة أو عبر بناء مشروع حضاري يعيد للأمة قدرتها على النهوض، إلا أنّ هذه الاتجاهات أيضا لم تنجح في إنتاج وعي ينبع من الذات العربية، لأنها غالبا ما استوردت أفكارا جاهزة من مسارات الفكر الغربي من غير أن تتلمّس المشكلات التي يعاني منها مجتمعنا، مما جعلها تتحرك فوق السطح من دون أن تملك القدرة على النفاذ إلى جوهر الأزمة.

ومن هذا التشخيص ينطلق بلعقروز نحو الفكرة المركزية التي يقدّمها في مقاله، وهي أنّ حاجتنا اليوم ليست إلى فلسفة تشتغل على النصوص أو تواريخ العلوم فحسب، وإنما إلى فلسفة تُخاطب الإنسان في آلامه وأحلامه وضعفه وطاقته، فلسفة تُعينه على ترتيب حياته وتعديل سلوكه وتحريره من سطوة الأهواء وضغط المخاوف التي تسكنه. إنّها فلسفة تشبه علاجا روحيا يُعيد للروح نداوتها وللقلب سكينته، لأنها تتوجّه إلى الإنسان في لحظة هشاشته، وتمنحه فرصة ليرى العالم بعين جديدة.

ويستعيد بلعقروز هنا المثال السقراطي الذي يجعل من الفلسفة ممارسة يومية تُختبر في الأسواق والشوارع، حيث يتجسّد الاتساق بين القول والفعل، وحيث تصبح الحكمة سلوكا يُعاش قبل أن تكون مفاهيم تُكتب. ويؤكد أنّ سقراط لم يكن مثالا للفيلسوف المجرّد، وإنما كان تجسيدا للفلسفة بوصفها شكلا من أشكال العيش، ووسيلة للإصلاح الأخلاقي وإعادة بناء الذات.

ويمكن القول إن اللحظة التي تصبح فيها الفلسفة جزءًا من المجال العام، وتتحول إلى ممارسة يتبناها الوعي العربي في حياته اليومية، ستكون اللحظة التي نخطو فيها بالفعل نحو الخروج من عنق الزجاجة الذي ظلت مجتمعاتنا عالقة فيه، لأن النهضة لا تُبنى بالسياسات وحدها، وإنما تُبنى بالوعي، والوعي لا ينمو إلا إذا مُنح الإنسان فرصة لأن يفكر بحرية وأن يعيش تفكيره في سلوكه اليومي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!