مغفلون .. مدى الحياة
لو كان شكيب خليل عابر سبيل في هرج ومرج الدولة الجزائرية وفوضى أشيائها، أو رجل ظل لا تطاله الأعين والأذان، لهان الأمر. لو مكث في الحكومة سنة أو أقل من ذلك، ولو حمل حقيبة ثانوية في دولة تسير بعدة دواليب وليس بمحرك البترول فقط، لهان الأمر.
لو كان سعر النفط بسعر الرماد كما كان في أواخر الثمانينات، ولو كان الرجل لا يقول أمام قرابة الأربعين مليونا في نشرات الأخبار وخارج النشرات، ولا يتنقل بين ولاية وأخرى يلتقي بالآلاف من المهندسين والملايين من المواطنين، لهان الأمر. لو كان من الأذكياء الذين لا يبدون زينتهم عند كل محراب دولي كما فعل في اجتماع الغاز بوهران، حيث أسرف نصف مليون دولار على أكل الضيوف ومشربهم بالخصوص، ولو كان من الذين لا يشترون العقارات كما فعل في العاصمة الجزائرية وفي مدينة ماريلاند الأمريكية لهان الأمر، أما أن يمكث بيننا أزيد عن إحدى عشرة سنة وهو ما يقارب ربع مدة عمر الاستقلال، دون أن يكون فينا رجل رشيد واحد، يمدّ يده لتوقيف الباطل، أو يقول كلمة حق لدى سلطان وزارة جائرة، أو على الأقل، يخفق قلبه للفساد كأضعف الإيمان، فتلك المصيبة الكبرى التي نتحمل تبعاتها جميعا من دون استثناء، ونتورط في فضيحة سوناطراك أكثر من المتهم نفسه، ونكاد نجزم، بل دعونا نجزم بأنه لولا الإدعاء الإيطالي لبقي الرجل كالذين سبقوه والذين سيلحقون به نِسيا منسيا في بلد يُنهب على المكشوف.. ولا يجد الناهب أي حرج في أن يوفّر لتهمته سبق الإصرار والترصد.
يقال دائما أن سارق الدار الصغير، لا يمكنه أن يكبر إلا إذا كان أهل الدار غائبون أو مغيّبون أو فاقدين للوعي أو من المتورطين معه، وملف فضيحة سوناطراك لا يتحدث عن ملايين الدولارات، ولا عن صفقة واحدة زمنها بضع دقائق أو ساعات وإنما عن 11 مليار دولار حصدتهم شركة سابيام خلال ثلاث سنوات.. وما خفي أعظم بالتاكيد مع شركات أخرى وفي زمن آخر وبمبالغ ربما أكبر، في عملية بعيدة شكلا عن الإجرام المعروف بسرعة أدائه حتى لا يقع في فخ الرقابة، مما يعني أن أمة بأكملها قد ساهمت في هاته العملية على الأقل بصمتها الجنائزي، وكل القوانين الشرعية والوضعية تورّط الساكت عن الجريمة وتدينه بنفس إدانة الفاعل وتصفه بالشيطان الأخرس.
الحديث الشريف يقول أن المؤمن لا يلدغ من الجُحر مرتين، ولكن في حادثة سوناطراك تحت قيادة شكيب الخليل لُدغت الأمة على مدار إحدى عشرة سنة آلاف المرات، في جحور متعددة حتى خُيّل إلينا أنها أصبحت مدمنة لدغ، وفي عُرف العدالة أن القانون لا يحمي المغفلين.. وللأسف لا يوجد مغفل مثل الذي نهبوه كل هذه الفترة الزمنية الطويلة وبهذا الكم من الأموال؟