مـسيرة مناضل وزعيم
ماذا عسى أن يقول المرء في زعيم بمنزلة حسين آيت أحمد أو “سي الحسين” كما يفضل أن يناديه محبوه؟ سوى ذلك الفتى الثائر، الرافض للعبودية وللقهر وللظلم بجميع أشكاله، لقد خلق الرجل من أجل النضال والكفاح، وفتح بصره على نصرة الحق منذ نعومة أظافره. لقد انخرط في حزب الشعب الجزائري (PPA) وهو طالب ثانوي عمره لم يتجاوز 16 سنة وأصبح أصغر عضو في اللجنة المركزية لهذا الحزب، ومنذ تلك اللحظة سخر شبابه وكهولته وحتى شيخوخته لخدمة وطنه.
في سنة 1947 تحت لواء حزب الشعب تولى تأسيس المنظمة السرية رفقة بلوزداد (OS) التي هيأت السبيل للكفاح المسلح. وفي 1949، خطط ونفذ عملية السطو على مكتب بريد مدينة وهران لشراء السلاح والذخيرة تمهيدا للثورة التحريرية. إن عبقرية هذا الوطني رغم مدنيته جعلته يفكر ويخطط وينفذ عمليات عسكرية. لكن للأسف، هذه الأعمال البطولية لم تشفع له بل تم عزله من رئاسة المنظمة التي أسسها وعين في مكانه أحمد بن بلة لمجرد الشك في أنه متعاطف مع مفجري الأزمة البربرية في حزب الشعب.
ولكن كل هذا لم ينقص من عزيمته على تحرير البلاد ولم يشاحن أحدا لأن هدفه أعلى وأسمى، فرافق بن بله وخيضر إلى مصر ضمن الوفد الخارجي للترويج للقضية الجزائرية. وكان أول دبلوماسي مثل بلادنا في مؤتمر باندونغ عام 1955. كما كان أول من فتح المكتب الممثل للجزائر في الأمم المتحدة في أفريل 1956 بنيويورك.
إن حنكته ووعيه وثقافته السياسية وشخصيته القوية جعلت جمال عبد الناصر يفضل أحمد بن بلة عليه لأن هذا الأخير كان يساند كافة أفكاره دون أدنى نقد. وهذا لم ينل شيئا من الرجل لأن غرضه الوحيد هو استقلال الجزائر لا غير. رغم أنه صرح في إحدى مقالاته الشهيرة: “لو أخير بين جزائر عربية وجزائر فرنسة لاخترت دون تردد جزائر عربية” لكن للأسف ليست الحال كذلك للكثيرين، لأنهم لو يخيرون بين جزائر أمازيغية وجزائر فرنسية لاختاروا جزائر فرنسية.
في 1956، كان حسين آيت أحمد ضمن الزعماء الخمسة الذين كانوا على متن الطائرة التي تم تحويلها من طرف السلطات الفرنسية، وتعد أول عملية قرصنة في تاريخ الطيران. فبهذا تم زج الرجل ورفاقه في سجن باريس حيث يتابعون أحداث الثورة وراء القضبان. ومن معتقله أصبح سي الحسين شاهدا على النشاط الكولسي المخابراتي الذي كان ينتظر ساعة الحسم للانقضاض على ثمرة الثورة وأحمد بن بلة.
إن حسين آيت أحمد لم يزك أبدا هذه التحالفات على ظهر الثورة بل كان دائما مساندا للشرعية، بدءا بمؤتمر الصومام الذي كان بن بلة من معارضيه.
لما تأزم الوضع بين الداخل والخارج وبين الجيش والسياسيين، بشهادة محمد يزيد ورضا مالك، كان آيت أحمد صاحب فكرة إنشاء الحكومة المؤقتة للدفع بعجلة الثورة إلى الأمام وإيجاد التوازن لكل مكونات وتيارات الثورة. وقد نجحت فعلا الفكرة حيث واصلت الثورة مشوارها إلى أن تحقق الحلم وأصبحت الجزائر حرة مستقلة.
أما بعد الاستقلال، فإن حب وشهية بن بلة وبومدين للسلطة والانفراد بها قضى على كل مشروع ديمقراطي. فخيطَ الدستور على المقاس وبدأت التصفيات الجسدية لكثير من زعماء الثورة وتهميش الآخرين وهذا ما دفع بسي الحسين على غرار فرحات عباس إلى الاستقالة من كل مؤسسات الدولة والالتحاق بالمعارضة، فأسس حزب جبهة القوى الاشتراكية ((FFS يوم 29 سبتمبر 1963 الذي دفع فيما بعد إلى التمرد، وقد تمت تصفية 453 مجاهد ممن التحقوا بهذا الحزب، وألقي القبض على الزعيم سنة 1964، فحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلى المؤبد، وزج به في السجن حتى فراره في شهر ماي 1966، ليستقر بجنيف بسويسرا حيث عاد إلى مقاعد الدراسة لتحضير شهادة الدكتوراه في مجال حقوق الإنسان بإفريقيا.
عاش آيت أحمد بعيدا عن أرض الوطن رغم الجماهير العريضة التي تسانده وتعترف له بذكائه وحنكته السياسية ووطنيته، إلا أن النظام أقصاه كليا لأنه لم يقبل بتزكية أعمالهم وانقلاباتهم وإدارة ظهره للشعب.
هذا البطل الذي وضع معاناته الشخصية جنبا من أجل الجزائر دخل في تحالف سياسي في 1985 مع من حكم عليه بالإعدام ألا وهو أحمد بن بلة، لتوحيد المعارضة ضد النظام الديكتاتوري. فهذه المبادرة كلفته غاليا، حيث اغتيل رفيق نضاله علي مسيلي ووصف بالعداء للوطن كما اتهم من قبل بأنه وراء أحداث الربيع الأمازيغي عام 80 بمنطقة القبائل. فكلما حاول جزائري رفع رأسه توجه أصابع الاتهام إلى الوطني.
بعد أحداث أكتوبر 1988، دخل أقدم معارض في الجزائر إلى أرض الوطن بعد 22 سنة من المنفى طامعا في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي وطي صفحة الماضي لبناء دولة قائمة على مؤسسات شرعية ومدنية. وكان مطلبه الأول هو المجلس التأسيسي وحل جهاز البوليس السياسي. من أجل هذا الهدف النبيل بدأ الزعيم نضاله بكل ما أوتي من قوة وقد نجح في تعبئة آلاف المواطنين من كل حدب وصوب في مسيرات عارمة للضغط على النظام لقبول قواعد اللعبة الديمقراطية بكل شفافية، مواجها في نفس الوقت مشروع الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإسلاموي تحت شعار “لا دولة دينية ولا دولة بوليسية”.
لكن تشبث النظام بالحكم أفسد قواعد اللعبة الديمقراطية عام 1991، وطبق خطته الشيطانية في مرحلتين.
الأولى: دفع الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى التمرد وإقالة مولود حمروش من منصب رئيس الحكومة.
الثانية: إيقاف المسار الانتخابي بعد الدور الأول في 26 سبتمبر 1991 ودفع الشاذلي بن جديد إلى باب الخروج.
ندد حسين آيت أحمد بكل ما لديه من قوة بهذه العملية الإجهاضية في مسيرة تاريخية حاشدة يوم 02 جانفي 1992. ولإسكاته واستدراجه اقترح عليه النظام منصب رئيس الدولة. لكن احترامه للشرعية ومعرفته الجيدة للنظام القائم جعله يرفض جميع الإغراءات والمناصب.
هذا القرار اللا مسؤول أدخل البلاد في دوامة من العنف والإرهاب أتت على الأخضر واليابس. رغم هذا لم يفقد الرجل الأمل فتخندق مع مهري وعلي يحي عبد النور وجاب الله والفيس لاقتراح العقد الوطني لصيانة دم الجزائريين. فأقام النظام الدنيا ولم يقعدها واتهمه بالخيانة والعمالة للخارج.
هذ الرجل الغيور على وطنه، لما اندلعت الأحداث الأليمة للربيع الأسود بمنطقة القبائل قدم مذكرة إلى الجيش للخروج من الأزمة ولكن لمن تقرأ زبورك يا داود؟
إن حسين آيت أحمد لم يهادن النظام ولم يسايره بل تخندق مع الشعب إلى أن اعتزل السياسة لظروف صحية.
بعد سبعين سنة من النضال ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم والنظام الديكتاتوري بقي الزعيم زعيما لم يطمع يوما لدى الحكام لا في منصب ولا جاه ولا مال، همه الوحيد هو الجزائر لا غير. لذا سيبقى سي الحسين رمزا للكفاح السياسي والعسكري والديمقراطي ورمزا للنزاهة والمبادئ بـ “تغنانته” المعهودة. بكلمة واحدة، رجل نظيف مرفوع الرأس.. جزائري حتى النخاع.
* عضو سابق في جبهة القوى الاشتراكية