مفهوم الحرية لدى الراحل محمد سعيدي
دعوني أتساءل في البداية، وبعيدا عن أي خلفية، عن هذا الجحود والنكران الذي بات يطبع خصوصا حياتنا الفكرية والثقافية والفنية منذ سنوات تجاه كثير من الرجال والنساء الذين غادروا عالمنا من كُتَّاب وصحافيين ومفكرين وفنانين ومبدعين صرنا نكتفي بنشر تعازي عابرة ومقتضبة مباشرة بعد وفاتهم ثم يطويهم النسيان طيا، والمحظوظون هم من قد نقيم لهم أربعينيات في ندوات بروتوكولية لا تقدّم أفكارهم وما قاموا به لصالح الفكر والثقافة في هذا الوطن.
هناك قامات كثيرة وكبيرة كانت تملأ فضاء الجزائر بالأفكار والكتابات الراقية حتى بلغ بعضها حد العالمية نُسيت وتناستها الأجيال، وصرنا نخجل كلما زرنا هذا البلد أو ذاك فيسألنا بعض من عرفوا تلك الأسماء عما فعلناه بالأعمال التي تركوها؟ فنجد أنفسنا نخجل من أنفسنا ومن تاريخ بلدنا العظيم ونلوذ بالصمت أو نتهرب من الإجابة عن السؤال.
تحضرني أسماء كثيرة من أولئك الرجال والنساء: الجنيدي خليفة، الطاهر وطار، محمود يعقوبي وعبد الله شريط، مالك حداد، مولود معمري، عمر البرناوي، محمد الميلي، أبو القاسم سعد الله، محمد مصايف، نورة سعدي، محفوظ قداش، عبد المجيد مزيان، توفيق المدني، مولود عاشور، عبد الله ركيبي، أبو العيد دودو، عبد الرحمن الجيلالي، التلي بن الشيخ، مفدي زكريا الذي لا نكاد نتذكره إلا عبر النشيد الوطني… وغيرهم.
نص مداخلة ألقيتها يوم 26 سبتمبر 2024 بالمركز الثقافي “ابن مهيدي” بالعاصمة بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الأستاذ المفكر محمد سعيدي.
أسماء كثيرة يصعب حصرها من مرحلة ما بعد استعادة الاستقلال، ناهيكم عن أسماء كبيرة خلال فترة الاحتلال وما قبله والتي يتعين علينا أن نقيم لها الندوات تلو الندوات لنذكِّر الأجيال بما صنعته تلك القامات السامقة التي سبقت كي نقضي على ثقافة الجحود والنكران التي باتت تميز تصرفاتنا لولا بعض الاستثناءات التي استعادت لنا جلائل أعمال وجوه رفيعة المقام لم تكن معروفة من قبل رغم أنها كانت تصنع الحدث في زمانها لدى كثير من الأمم خاصة في إفريقيا، بل ومازالت تثير حفيظة أعداء الإنسانية ومن هؤلاء عبد الكريم المغيلي الذي يثير مجرد ذكر اسمه حنق الصهاينة.
وهذا القوس الذي فتحته يجعلني أصل إلى لب هذه الندوة عن الراحل الكبير الأستاذ محمد سعيدي، رحمه الله، وسأحاول أن أحصر حديثي في نقطتين تتجليان في منظور وفكر الراحل.
النقطة الأولى وهي الهمّ الجزائري لدى المرحوم سعيدي، والثانية هي مفهوم الحرية عنده.
لا أدعي أنني عرفت الأستاذ سعيدي عن قرب قبل التسعينيات، لقد كنت أتابع نشاطه الفكري والصحافي من خلال بعض محاضراته وكتاباته الصحفية والفكرية، وكنت أتابع نشاطه النضالي في عديد المواقع والمناصب التي تولاها، ولكن الأقدار هي التي جمعتني به وقربتني إليه خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، فكنت أناقشه في كثير من القضايا الفكرية والسياسية التي كانت تعيشها الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي والأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلد في ظل الاغتيالات التي كانت تطال الجزائريين والجزائريات من دون تمييز بما في ذلك الاغتيالات التي طالت بعض المفكرين والكتاب والشعراء والفنانين من أمثال الجيلالي يابس ويوسف السبتي وبختي بن عودة وعز الدين مجوبي وعلولة والقائمة الطويلة من الصحافيين والصحافيات.
يذهب محمد سعيدي بعيدا في تحليله لمزايا التمتع بالحرية ويربطها بالإبداع وبانتظام المجتمع، إذ يرى أنه بالحرية يكون الإنسان المبدع، وبالحرية ينتظم المجتمع عبر الحوارِ والتوافق بهدف تحقيق الرخاء، وأنه بواسطة الحرية ينتظم الحكم الفعال المبني على التفاهم والاختيار الحر. ويصل إلى فكرة عامة وهي أننا لا نستحق الحرية ولا نحصل عليها إلا بالحرية. إن الحرية التي ننشدها شرط أساسي لنيل الحرية كواقع وممارسة.
وربما تستغربون إذا قلت لكم أن ذلك النقاش شبه اليومي، وأحيانا يوما بعد يوم، كان يجري بيني وبين الراحل سي محمد سعيدي على امتداد ساعتين كاملتين داخل البحر في موريتي حيث كنا نقيم معا.
ويجب أن لا تستغربوا أيضا إذا قلت لكم إنني لم أجد في حياتي مفكرا مثل المرحوم سعيدي القادم من مجاجة بالشلف، يبقى سابحا داخل البحر لمدة ساعتين كاملتين تمتد من الساعة السابعة حتى التاسعة صباحا، في تلك الفترة وداخل البحر كان النقاش بيننا يتمحور حول الوضع في الجزائر، فهو يحكي عن حال السياسة التي انحدرت إلى الحضيض في ظل غياب النقاش، وهو يحكي بطيبته وسعة أفقه عن الظاهرة الإرهابية التي كنا نعيشها بكل حسرة، وكيف كان الجزائري يقتل الجزائري بدم بارد، مُرجعا ذلك إلى غياب وانعدام الحوار وبسبب طغيان التعصُّب، ثم يقوم الراحل بإسقاطات تاريخية انطلاقا من تاريخنا ومن التاريخ الإسلامي وما شهده العالم الإسلامي من اغتيالات طالت حتى الخلفاء والصحابة وقادة الفتوحات الإسلامية.
ومع تذمره من تلك الحالة التي كانت تعيشها بلادنا في تلك الفترة الحالكة من تاريخها، فإن المرحوم سعيدي كان مع ذلك متفائلا بالمستقبل، وكان ينتظر بروز نخبة وطنية من شأنها أن تُخرجنا من تلك الحالة الصعبة.
لقد عرفت من خلال نقاشاتي البحرية معه عمق التفكير الذي كان الراحل يتميز به انطلاقا من منظوره الوطني ومَعينه الفكري المتشبع بالأفكار الوطنية والثورية، وانطلاقا من قناعته بمحتوى بيان أول نوفمبر الذي كان يعتبره مصدرا مهما ومرجعا أساسيا يجب أن يقتدي به ويستنير به كل مسؤول جزائري وطني.
كان من هذا المنظور الوطني ينتظر ساعة الخلاص من ذلك الكابوس المزعج الذي عشناه في التسعينيات.
لم يكن الأستاذ سعيدي متعصِّبا ولا حادًّا في نقاشه وطرحه الفكري والسياسي، بل كان عميق التفكير، فإذا قام بإسقاطات تاريخية عن تلك المشاكل التي عشناها، فإنه كان يطرح بعض الأفكار والرؤى والبدائل للخروج من الأزمة عبر الحوار وفسح مجالِ الحرية للرأي الآخر مهما كان فيه من تعصُّب وشطط، لأن الكبت يولّد التطرف والانفجار ويؤدي إلى العنف والعنف المضاد، أما الحوار القائم على احترام رأي الآخر فإنه يزيل الترسبات والأفكار المسبقة ويكسر بعض الحواجز.
ومنظوره هذا للحرية هو الذي يقودني إلى النقطة الثانية من هذه المداخلة: وهي مفهوم الحرية عند الأستاذ سعيدي.
في السادس والعشرين من أكتوبر 2014 نظم المجلس الأعلى للغة العربية ندوة بمناسبة أربعينية الراحل الأستاذ محمد سعيدي، رحمه الله، بالمتحف الوطني للمجاهد، وقد ألقيت مداخلة عن مفهوم الحرية عند المرحوم سعيدي.
وأود أن أذكر أنني نشرت نص تلك المداخلة لاحقا في جريدة “الشعب” ثم في كتابي:
اغتيال عقول.. اغتيال أوطان.. الصادر في 2016 عن دار “الأمة”.
مفهوم الحرية عند الأستاذ سعيدي نستشفه من خلال تصفحنا لكتابه: “من الاستقلال إلى الحرية”، وهو كتاب من 313 صفحة تحدّث فيه المرحوم انطلاقا من منظوره الفكري العميق وتشبّعه بالقيم الثورية وتاريخ أمته.
في هذا الكتاب تحدّث الأستاذ سعيدي عن عدد من المواضيع الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية والتاريخية التي كانت تشغل باله كمناضل ومثقف ثوري لا يؤمن بأنصاف الحلول ولا بالشعارات ولا بالخطابات الشعبوية.
وإذا كانت هناك قراءات مختلفة تناولت أحداث أكتوبر 1988 وهي الأحداث التي اعتبرت لدى البعض بأنها مؤامرة حيكت ضد الجزائر وضد جبهة التحرير لإبعادها عن الحكم فإن الأستاذ سعيدي وهو المناضل الذي تقلّد مسؤوليات سامية في الحزب من بينها لكونه كان قياديا ومحافظا للحزب في بسكرة، اعتبر تلك الأحداث بمثابة الزلزال الذي هز الجزائر نظرا لما تسببت فيه من تحولات جذرية شهدتها الجزائر عقب ذلك من بينها تغيير الدستور في فيفري 1989 والتخلي عن الاشتراكية التي كانت تعدّ “اختيارا لا رجعة عنه”.
يستنتج الأستاذ سعيدي أن تقلّص مساحة الحرية واستبعاد الحوار هو الذي أدى إلى الانحطاط وما لحق بالأمة الإسلامية عموما إثر ذلك، ثم يخلص من خلال دراسته لمسار الإنسانية أن إعمال الفكر وفسح مجال الحرية لصناع الفكر والعاملين على التغيير هو الذي كان وراء تحريك عجلة التاريخِ البشري، الأمر الذي أدى بالعقل البشري المتحرر من قيود الكنيسة وترسّبات العادات البالية إلى الاكتشافات التي شهدتها البشرية في شتى مجالات الإبداع الإنساني.
ويعترف بهذا الصدد بطريقة نقدية لافتة للنظر وبجرأة نضالية عالية بأن أحداث أكتوبر كانت نتيجةً منطقية لنظامٍ كان يتهرىء ويتآكل من الداخل، وأننا لم نكن حينها نمتلك الشجاعة للاعتراف بهذه الحقيقة.
وبعد أن قدّم قراءة تحليلية واستنباطية من منظورِ المناضل المفكر للعديدِ من النقاط وقدم قراءته ومنظوره لحل معضلة الحكم، راح يفرد لموضوعِ الحرية حيزا هاما من الكتاب، فهو ينطلق من مسلمة أساسية لتحقيق الحرية وهي أن العدل هو أساس الملك، وأن الحرية هي أساس الوجود، وكأنني به يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الفيلسوف ديكارت الذي ربط الوجود بالفكر عبر مقولته “أنا أفكر إذا أنا موجود”، في حين أن الأستاذ سعيدي يكاد يقول “أنا أتمتع بالحرية إذن أنا موجود”.
ثم يذهب بعيدا في تحليله لمزايا التمتع بالحرية ويربطها بالإبداع وبانتظام المجتمع، إذ يرى أنه بالحرية يكون الإنسان المبدع، وبالحرية ينتظم المجتمع عبر الحوارِ والتوافق بهدف تحقيق الرخاء، وأنه بواسطة الحرية ينتظم الحكم الفعال المبني على التفاهم والاختيار الحر.
ويصل إلى فكرة عامة وهي أننا لا نستحق الحرية ولا نحصل عليها إلا بالحرية.
إن الحرية التي ننشدها شرط أساسي لنيل الحرية كواقع وكممارسة.
ومن خلال منظور الإسلام لمفهوم الحرية يورد قوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض جميعا، أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.
ويستدل بهذا الصدد بشواهد من التاريخ الإسلامي ومن تاريخنا نحن، فعبر التاريخ الإسلامي يورد مقولة الخليفة العادل عمر بن الخطاب لمحمد بن عمرو بن العاص عندما ضرب مواطنا مصريا فاز عليه في مسابقة للخيل: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”.
ومن خلال تاريخنا وانطلاقا من أن الحوار هو أحد العناصر المحفِّزة والمشجّعة للحرية وممارستها يوضِّح المرحوم الأستاذ سعيدي بأن القائد الإسلامي أحد أبرز فاتحي هذه الربوع عقبة بن نافع الفهري انتهج الحوار أسلوبا لكسب قلوب الناس ودخولهم الإسلام، وأنه كان يقنعهم بالحجة والحوار بعيدا عن التزمت والتعصب والاستعباد واستخدام القوة.
ثم يستنتج أن تقلّص مساحة الحرية واستبعاد الحوار هو الذي أدى إلى الانحطاط وما لحق بالأمة الإسلامية عموما إثر ذلك.
ثم يخلص من خلال دراسته لمسار الإنسانية أن إعمال الفكر وفسح مجال الحرية لصناع الفكر والعاملين على التغيير هو الذي كان وراء تحريك عجلة التاريخِ البشري، الأمر الذي أدى بالعقل البشري المتحرر من قيودِ الكنيسة وترسّبات العادات البالية إلى الاكتشافات التي شهدتها البشرية في شتى مجالات الإبداع الإنساني.
وإذا كان البعض يرى أن الأستاذ سعيدي كان قاسيا في حكمه عندما أشار إلى أننا استعدنا استقلالنا ولم ننل الحرية، فإن الرجل ظل متفائلا بالمستقبل، حينما أكد أن ثورةً شعبية متجذرة في العمق الشعبي مثل ثورة أول نوفمبر لا يمكن أن تنطفئ جذوتها أو يخمد نورها،
فهذه الأمة الولاَّدة للأفكار وعظماء الرجال والنساء لا يمكن لشرارتها أن تنطفئ.
ولعل الحراك الشعبي المبارَك الذي عرفته بلادنا في فيفري 2019 كان واحدا من تلك الأمنيات التي تكون قد راودت الراحل في نهوض هذا الوطن ليكون كما تمناه أمثال الأستاذ سعيدي قاطرةً تقود كثيرا من الأمم نحو الحرية والاستقلال، إذ كان الكثير من أحرار العالم وما يزالون ينظرون إلى الجزائر بأنها قلعة الثوار وطريقهم إلى الحرية.