مقابر الأرقام
شهداؤنا خيرتنا في الدنيا، وشهودنا على الزمان، بأننا لم نذل ولم نبع كرامتنا، وحجتنا أمام الله أننا لم نتنازل عن ما أودعنا من أمانة الأرض والعرض والرسالة.. شهداؤنا يعودون إلينا أشلاء أو أجسادا، أو يتناثرون على أفق يتلقفهم كي يزين الكون بهم .. ومن الشهداء نوع آخر..إنهم ساكنوا مقابر الأرقام..لايستدل عليهم إلا في ملفات المستعمرين..أجل إن للاستعمار السلوك نفسه والأخلاق نفسها، بل ويحتكم للقوانين في البقاء والفناء نفسها..ومن أغرب ما يسكن وجدان المستعمرين، أنهم يتجردون تماما من الروح الإنسانية والانتماء للإنسانية، هكذا كان المستعمر الفرنسي في الجزائر، وهكذا هو المستعمر الصهيوني في فلسطين..بدون إحساس بالبشر ومشاعرهم.
عندما رحل الاستعمار الفرنسي عن الجزائر اكتشف كثير من الناس أن جثامين أبنائهم مودعة في مقابر كل منها يحمل رقما..وطيلة سنوات الحرب لم يكن أحد يعرف أين دفن الشهداء؟؟ وكان سعيدا كل من عثر على قبر ابنه أو أخيه ..وبالمناسبة يجدر أن نتذكر كيف اكتشفت عائلة بن مهيدي قبر الشهيد القائد العربي بن مهيدي لنعيش تلك اللحظات الفارقة في المشاعر لدى العائلة ولدى المحبين، وكيف أنهم عندما أزاحوا عن الشهيد ركام القبر أطل عليهم مبتسما، كما لو استقبلهم في الدنيا بابتسامته المعهودة..وكم من أسرة فلسطينية وجزائرية لازالت تبحث بلا كلل عن مثوى الشهيد..بل كم من أسرة أقامت الأفراح عندما عادت لها جثة الشهيد بعد غياب..
اليوم يعود شهداء فلسطينيون وأردنيون إلى أهلهم بعد سنوات طويلة من استشهادهم، احتجزتهم إسرائيل رغم عقود السلام واتفاقيات الصلح التي أجرتها مع النظام المصري السابق والنظام الأردني القائم والسلطة الفلسطينية.. يعود شهداء مقابر الأرقام ومن هؤلاء الشهداء من لم يعرف أهله..شهداء مقابر الأرقام يعودون ينبئوننا عن جريمة الجاني، وما اقترفت يداه ..يجيؤون لينكأوا الجراح ويفتحوا الذاكرة على الهواء الطلق لتتجدد فينا المعاني كلها مرة واحدة.
وعندما تعود جثامين الشهداء من عالم التغييب، لاتبحث عن تبجيل إضافي فهي قد فارقت أرواحا طاهرة تطوف بنا في السموات، مكرمة من ربها حية ترزق.. إنهم لايبحثون عن تكريم إضافي فأي تكريم هذا الذي يقف بجنب تكريم الله لهم.!!. إنهم يريدون شيئا آخر.. إنهم يريدون لنا نحن الأحياء أن نستمر في حمل الرسالة وصون الأمانة.. يريدون لنا أن لانخون عهدهم، ولا أن ننتكس عن صراطهم..فمن يكرم الشهيد يسير على خطاه..وهذا هو ما يعطي الأمة مؤهلات الاستمرار والبقاء والسيادة.