الجزائر
كراسي تغلق الرّصيف ونساء "يتسرّبن" بين الرجال

مقاهي الأرصفة… ظاهرة تُقلق المارّة وتُحرج الرّاجِلات وتستنفر حماية المستهلك

نادية سليماني
  • 251
  • 0

في عدد من شوارع المدن، بات من المألوف مشاهدة كراسي موضوعة على الأرصفة، يحتلها رجال يجلسون لساعات طويلة، تاركين حيزا ضيقا للمارة. هذا المشهد تحول إلى مصدر إزعاج حقيقي، خاصة للنساء اللواتي يجدن أنفسهن مضطرات للمرور وسط تجمعات ذكورية في وضع غير مريح، يختلط فيه الحرج بالخوف أحيانا. وبينما يفترض أن يكون الرصيف فضاء عاما آمنا ومتاحا للجميع، حوّله بعض أصحاب المقاهي إلى ما يشبه “مجالس مغلقة” تعيق حرية التنقل.

تعتبر الأرصفة في أصلها ملكا عموميا مخصصا لعبور الراجلين، غير أن غياب الوعي والرقابة أدى إلى تحويلها في بعض الأحياء إلى امتداد للمقاهي أو فضاءات جلوس عشوائية. ومع تزايد الظاهرة، تتقلص مساحة الرّاجلين، ويصبح المرور بالنسبة للبعض، خاصة النساء وكبار السن، تجربة مزعجة ومحرجة. وتبرز هنا إشكالية التعدي على الفضاء العام باسم العادات اليومية أو الترفيه.

زبدي: ندعو إلى إعطاء الطّريق حقّه واحترام خصوصية مُستعمليه

فمن منا لم يعان وخاصة من النساء، وهن تعبرن الرصيف المتواجد به مقهى، فتضطررن إلى المرور بين رجال جالسين يحتسون فنجان قهوة، وبعضهم يتأمل وجوه وأجساد الرّاجلين وخاصة الراجلات.

والظاهرة باتت مُزعجة، في ظل الانتشار الكبير للمقاهي التي تحجز الرّصيف لطاولاتها.

النّساء في واجهة المعاناة…

وتتأثر النساء بشكل خاص بهذه الظاهرة، حيث يجدن أنفسهن في مواقف غير مريحة في أثناء المرور، خاصة في حال الازدحام أو ضيق الرصيف. بعضهن يفضلن تغيير الطريق حتى ولو كانت بعيدة عن وجهتهنّ، فيما تضطر أخريات إلى المرور بسرعة وسط نظرات قد تكون مزعجة. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مدى احترام الخصوصية والراحة النفسية للمارّين عبر الفضاءات العامة.

بينما تفطن أصحاب مقاه آخرون لهذا السلوك المزعج، وباتوا يضعون ستارا خشبيا يتيح للراجلين المرور بسلام، وهو ما شاهدناه بالنسبة لبعض المقاهي المتواجدة بشارع “أودان” مثلا وسط العاصمة.

بن بريك: نعيش خللا في فهم حدود الفضاء العام

ولطالما دقت المنظمة الجزائرية للدفاع وإرشاد المستهلك “أبوس”، ناقوس الخطر بشأن هذه الظاهرة، معتبرة إياها سلوكا “غير حضاري” يسيء إلى صورة المجتمع ويضر بحقوق المارة. ورغم هذا الاستنكار، لا تزال الممارسات مستمرة في العديد من المناطق، ما يعكس بحسب المنظمة “فجوة بين الوعي النظري والتطبيق الميداني.”

وفي الموضوع، يؤكد رئيس “أبوس” مصطفى زبدي لـ”الشروق”، أن صورة مرور النساء بين الرجال الجالسين على كراسي المقاهي، وسط الرصيف “باتت صورة متكررة، ونددت بها منظمتنا كل مرة، لعل وعسى تجد آذانا صاغية لحل الظاهرة، ولكن لا حياة لمن تنادي”.

وقال، بأن منظمة حماية المستهلك، تطالب كل شخص مُستغلّ لفضاء عمومي، بأن يُعطي الطريق حقه، ويحترم خصوصية مستعمليه”.

سلوك يحتاج إلى تصحيح…

ومن جهتها، ترى المختصة في علم الاجتماع، ثريا بن بريك، بأن هذه الظاهرة تعكس خللا في فهم حدود الفضاء العام، حيث يتم الخلط بين الحرية الشخصية واحترام حقوق الآخرين.

ومؤكدة في تصريح لـ”الشروق” على أن “الجلوس في الشارع ليس مشكلة بحدّ ذاته، لكن حين يتحول إلى عائق أمام حركة الآخرين، فهنا يصبح سلوكا سلبيا يحتاج إلى تقويم”. كما أشارت إلى أن غياب “ثقافة المواطنة يساهم في انتشار مثل هذه الممارسات” على حدّ قولها.

وأوضحت المختصة في علم الاجتماع، أن ظاهرة الجلوس على الرصيف، وخصوصا بالمقاهي المحتلة للرصيف، قد تؤثر على الشعور بالأمان لدى النساء، حتى وإن لم يكن هناك تهديد مباشر، قائلة: “في التفسير النفسي المرور وسط تجمعات مغلقة قد يخلق توترا داخليا وشعورا بعدم الارتياح، خاصة إذا ترافق مع نظرات أو تعليقات”.

ومشيرة أن تكرار هذه التجربة قد يدفع بعض النساء إلى تجنب المرور عبر الأرصفة المتواجد بها مقاهي الشارع.

وذكرت محدثتنا، بأن المجتمع الجزائري في أصله، يحترم المرأة في أي مكان تتواجد فيه، فمثلا لا يزال كثير من سكان العمارات الرجال، يديرون وجوههم نحو الجدار، في حال تصادف نزولهم في السلالم مع امرأة أو عائلة، في سلوك ينمّ عن الاحترام والتقدير، “فكيف بنا اليوم نرى رجالا جالسين في الرصيف، ونساء تعبرن بينهم؟” على حدّ تساؤلها.

وترى ثريا بن بريك، بأن معالجة هذه الظاهرة نبقى رهينة بتغيير الذهنيات قبل القوانين، لأن “احترام الرّصيف كحق مشترك، ومراعاة راحة الآخرين، خاصة الفئات الأكثر عرضة للانزعاج، هو مؤشر على رقي المجتمع”.

وتأمل المتحدثة، أن تتحول هذه السلوكيات تدريجيا نحو نمط “أكثر تفهما لطبيعة الشارع الجزائري، الذي يتميز بقيم وخصوصيات على الجميع احترامها”.

ويطرح استمرار هذه الظاهرة، حسبها، عن مدى المسؤولية المشتركة بين السلطات المحلية والمجتمع المدني، بحيث أن الأمر يستدعي رقابة أكثر صرامة، خاصة لمحتلي الأرصفة بطريقة غير شرعية.

ومن جهة أخرى، يحتاج الأمر إلى حملات توعية تعزز ثقافة احترام الفضاء العام، كما يمكن للمجتمع المدني لعب دور في نشر السلوكيات الإيجابية وتشجيع المبادرات المحلية لتنظيم الفضاءات المشتركة.

مقالات ذات صلة