الرأي

مقاولات‮ ‬تسمين‮ ‬الهفّ‮!‬

جمال لعلامي
  • 3076
  • 2

موظف “كحيان” سئم من وظيفته وسال لعابه على الملايين، وحلم بأن يكون بزناسيا أو مليارديرا، فاستقال في لحظة غباء وطمع، من وظيفته الأصلية التي درس وسهر الليالي من أجلها، وقرّر فجأة أن يتحوّل إلى “مقاول” يُشارك في المزايدات والمناقصات الخاصة بالمشاريع السكنية عبر‮ ‬مختلف‮ ‬ولايات‮ ‬الجزائر‮ ‬العميقة‮!‬

بعد أشهر من هذا التغيير غير الطبيعي للمهنة، بدأت المحنة وبدأ “الطمّاع” يشتكي من قلة الموارد المالية والوسائل التي تتيح له فرصة “المنافسة” وتضمن له الاستمرارية بإنجاز “الكوطة” التي تحصل عليها ضمن مشاريع السكن، والالتزام بدفتر الشروط وآجال الإنجاز، وفشل صاحبنا‮ ‬فشلا‮ ‬ذريعا‮ ‬في‮ ‬مهمته،‮ ‬وخابت‮ ‬آماله،‮ ‬وغرق‮ ‬في‮ ‬الديون،‮ ‬لكنه‮ ‬لم‮ ‬ينجز‮ ‬ولا‮ ‬وحدة‮ ‬سكنية‮ ‬ولا‮ ‬هم‮ ‬يحزنون‮!‬

..هذا مثال حيّ فقط، عن “مقاولين” افتراضيين، دخلوا عالم البناء والتعمير بالصدفة ومن حيث لا يعلمون ولا يعملون، ومنهم من لجأ إلى ممارسة “الشعوذة” لإنجاز مشاريع لا يُمكن انجازها إلاّ بأغلفة مالية ضخمة وبوسائل متطورة، وبالمراقبة والمعاقبة، لكن السؤال الواجب طرحه‮: ‬من‮ ‬أعطى‮ ‬مثل‮ ‬ذلك‮ ‬المقاول‮ ‬الاعتماد‮ ‬وسمح‮ ‬له‮ ‬بتغيير‮ ‬نشاطه‮ ‬ومكنه‮ ‬من‮ ‬دخول‮ ‬المناقصات‮ ‬وسلمه‮ ‬رقبة‮ ‬مشاريع‮ ‬سكنية‮ ‬لا‮ ‬تنجز‮ ‬بالهفّ‮  ‬والزمياطي؟

الأرقام الرسمية، في مجال السكن، تكشف أن من مجموع 32 ألف مقاولة، تمّ تصنيف 500 فقط مؤهلة، بما يُعطي الانطباع أن الأغلبية الساحقة والمطلقة من المقاولات، هي مجرّد شركات “صارل” للتقاعس والتماطل والتسكّع على أرصفة المشاريع السكنية التي ينتظرها الجزائريون بفارغ الصبر‮!‬

هل يُمكن أن تعتمد الجزائر على “الأيادي المكسورة” لإنجاز ما لا يقلّ عن 2 مليون وحدة سكنية؟ وهل الاعتماد على أكثر من 30 ألف مقاولة “فاشلة” وعاجزة ومفلسة وغير مؤهلة، سيُنجز هذه المشاريع المحدّدة بآجال يجب احترامها لتفادي الانزلاق والاحتجاج وتفاقم أزمة السكن واتساع‮ ‬رقعتها‮ ‬وضحاياها؟

إن اللجوء إلى الشركات العالمية المحترفة في مجال السكن والعمران، لا ينبغي تصنيفه هكذا في خانة “معاقبة” المقاولات المحلية، ومن الطبيعي أن يصطف المتضررون من مشكل السكن، وراء أنجع الحلول لإنهاء المأساة، شريطة أن لا يكون قرار التخلي عن بعض مقاولينا، مبني على “الإقصاء‮ ‬والانتقام‮”‬،‮ ‬فبينهم‮ ‬من‮ ‬يُشهد‮ ‬له‮ ‬بالكفاءة‮ ‬والخبرة‮ ‬والجدارة،‮ ‬ومنهم‮ ‬من‮ ‬تعرّض‮ ‬إلى‮ “‬الحڤرة‮”‬،‮ ‬لكن‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬بهدف‮ ‬إتمام‮ ‬المشاريع‮ ‬المعطلة‮ ‬والمدفونة‮ ‬والمنسية،‮ ‬فأهلا‮ ‬وسهلا‮ ‬بهذه‮ ‬البدائل‮ ‬المستوردة‮!‬

يستحيل لمقاولات مصابة بأمراض مزمنة، ومنها ما تورط في الغش والتدليس، أن تتولى مهمة إنهاء الأشغال عبر 1.5 مليون شقة، أعلن الوزير الأول، ووزير السكن، أنها عرفت تأخرا مفضوحا وغير مبرر، كما يستحيل لتلك المقاولات “المكسورة” أن تـُنجح مشروع الـ700 ألف شقة جديدة، أو‮ ‬تنجح‮ ‬أيضا‮ ‬في‮ ‬استئناف‮ ‬برنامج‮ “‬عدل‮” ‬المنوّم‮ ‬مغناطيسيا‮ ‬منذ‮ ‬عدّة‮ ‬سنوات‮!‬

نعم، يستحيل الاستجابة لطلبات الجزائريين في مجال السكن، طالما أن عددا كبيرا من المقاولين يعتقدون أن “بالا وبرويطة” تكفي للحصول على بطاقة مقاول، وتكفي للمشاركة في الصفقات، وهي الوضعية التي يجب أن تصحّح حتى لا يبقى قطاع السكن خطرا على النظام العام، ومحضنة لتفريخ‮ “‬الفساد‮” ‬والبزنسة‮ ‬والتلاعب‮ ‬بمشاريع‮ ‬أثارت‮ ‬القنطة‮ ‬والإحباط‮ ‬واليأس‮ ‬خلال‮ ‬السنوات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يعود‮ ‬بصيص‮ ‬الأمل‮ ‬بـ‮”‬الثورة‮” ‬الحالية‮ ‬التي‮ ‬قطفت‮ ‬رؤوس‮ ‬متورطين‮ ‬ومتواطئين‮ ‬في‮ “‬التبهديل‮” ‬والتعطيل‮!    ‬

مقالات ذات صلة