الجزائر
المحكمة الإدارية تفصل في الطعون

مقصون يتمسكون بالاستئناف وآخرون يطوون صفحة التشريعيات!

أسماء بهلولي
  • 138
  • 0

ملفات الطعون ونسخ من القرارات القضائية تتداول بين أيدي المترشحين المقصيين، ونقاشات قانونية متواصلة بينهم وبين محاميهم وهيئات الدفاع… هكذا بدا المشهد، صباح الاثنين، بمحيط المحكمة الإدارية ببئر مراد رايس، التي تحولت إلى فضاء لانتظار النتائج النهائية لمسار الطعون المتعلقة بالانتخابات التشريعية، حيث تباينت قراءات المعنيين للأحكام الصادرة بين من يستعد للاستئناف، ومن يكتفي بهذا القدر من الطعن.

تحوّل الرصيف المقابل للمحكمة إلى فضاء مفتوح للانتظار والترقب، تجمع فيه مئات المترشحين المقصيين من سباق التشريعيات رفقة فرقهم القانونية، استعدادا للانتقال إلى المحكمة الإدارية للاستئناف ومواصلة ما وصفوه بـ”معركة الترشح” حتى آخر مراحل التقاضي.

ورغم القرارات الصادرة عن المحكمة الإدارية، التي أيدت في أغلبها قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات برفض ملفات الترشح، لم يبدُ على المقصيين أنهم فقدوا الأمل، فبين نظرات مترقبة وأحاديث جانبية حول فرص كسب الاستئناف، ظلّ الجميع يعلق آماله على المرحلة المقبلة، أملا في انتزاع أحكام تعيدهم إلى السباق الانتخابي وتفتح لهم من جديد أبواب المنافسة على مقاعد المجلس الشعبي الوطني.

نواب وأميار في رحلة تحسين السمعة

ورصدت “الشروق”، خلال تواجدها بعين المكان، حضورا لافتا لنواب ومنتخبين محليين سابقين وحاليين، شكلوا النسبة الأكبر من أصحاب الطعون، إلى جانب عدد محدود من الشباب الذين يخوضون أول تجربة لهم في العمل السياسي.. هؤلاء وجدوا أنفسهم، حسب ما أكدوه لنا، بعد أسابيع فقط من إيداع ملفات ترشحهم، أمام أروقة العدالة بحثا عن تفسير لقرار إقصائهم من المنافسة الانتخابية.

ثلث المترشحين مقصى.. وخلفان يوضح الأسباب

وتباينت الأسباب التي استندت إليها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في رفض ملفات المعنيين، غير أن المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات تصدرت قائمة المبررات، لاسيما ما تعلق منها بشبهات الارتباط بالمال الفاسد أو بعلاقات مع أوساط المال والأعمال المشبوهة. كما حضرت مقتضيات المادة الأولى المتعلقة بأخلقة الحياة السياسية وتعزيز النزاهة والشفافية ضمن أبرز الأسس القانونية التي بُنيت عليها قرارات رفض عدد من ملفات الترشح.

بين الاستمرار في المعركة والانسحاب

ولم تكن قرارات المحكمة الإدارية نهاية المطاف بالنسبة لجميع المترشحين المقصيين، إذ انقسم هؤلاء إلى معسكرين، الأول اختار مواصلة المعركة القضائية إلى آخر محطة، والثاني فضّل طي الصفحة والانسحاب من سباق استنزفه نفسيا ومعنويا، على حد قولهم، قبل أن ينتهي.

فعلى الرغم من أن أغلب القرارات الصادرة عن المحكمة الإدارية جاءت مؤيدة لقرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وقضت برفض الطعون لعدم التأسيس، إلا أن عددا من المترشحين الذين التقتهم “الشروق” أبدوا تمسكا واضحا بمواصلة إجراءات الطعن أمام المحكمة الإدارية للاستئناف، وبدا هؤلاء مقتنعين بأن القضية لم تعد مرتبطة فقط باستعادة حقهم في الترشح، بل تحولت إلى معركة للدفاع عن سمعتهم ورد الاعتبار لأنفسهم أمام الرأي العام وناخبيهم.

وأكد عدد منهم أن المبررات التي استندت إليها قرارات الرفض، لاسيما تلك المرتبطة بمبدأ “أخلقة الحياة السياسية”، تبقى في نظرهم تقديرية وقابلة للتأويل، معتبرين أن إقصاءهم ألحق ضررا معنويا بصورة بنوها على مدار سنوات من العمل السياسي أو النشاط المحلي، على حد تعبيرهم.

وقال بعضهم إن العودة إلى المنافسة الانتخابية تمثل بالنسبة لهم الهدف المباشر من الاستئناف، غير أن الهدف الأهم بالنسبة إليهم يبقى الحصول على حكم قضائي ينصفهم ويدحض الشبهات التي لاحقت أسماءهم خلال هذه المرحلة.

في المقابل، بدا الإحباط واضحا على فئة أخرى من المترشحين الذين قرروا عدم مواصلة مسار الطعن، معتبرين أن الاستمرار في الإجراءات القضائية لم يعد يشكل حافزا بالنسبة لهم بعد الصدمة الأولى التي خلفها قرار الإقصاء.

وأكد هؤلاء أن ما تعرضوا له ترك لديهم شعورا عميقا بخيبة الأمل، خاصة بعد ما وجدوا أنفسهم مضطرين لتبرير وضعيتهم أمام مناضليهم ومحيطهم الانتخابي، بل وحتى أمام أفراد عائلاتهم وأصدقائهم.

وبينما كان بعضهم يغادر المحكمة بخطوات سريعة رافضا الإدلاء بأي تصريح، فضّل آخرون الحديث عن ما وصفوه “الوصمة المعنوية” التي خلفتها قرارات الرفض، مؤكدين براءتهم من كل الشبهات المرتبطة بالمال الفاسد أو العلاقات المشبوهة التي استندت إليها بعض قرارات الإقصاء حيث قال في هذا الصدد نائب برلماني عن حركة مجتمع السلم التقينا به أمام بوابة المحكمة تم رفض ملفه من قبل سلطة الانتخابات، أنه لجأ للمحكمة من أجل رد الاعتبار والسمعة قبل الرغبة في الفوز بمقعد انتخابي.

أتعاب المحامين والمحضرين لم تثن عن مواصلة المعركة

وعلى بعد أمتار من تجمع المنتخبين السابقين وأصحاب التجارب السياسية، كانت هناك فئة أخرى تخوض معركتها الأولى مع السياسة وأروقة العدالة في آن واحد.. شباب قدموا إلى المحكمة الإدارية بحثا عن إجابات أكثر من بحثهم عن أحكام قضائية، بعد ما وجدوا أسماءهم ضمن القوائم المرفوضة ملفاتهم لأسباب أرجعتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى “معطيات إدارية تتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي” و”ممارسات مرتبطة بالسلوك الانتهازي”.

وبدت الحيرة واضحة على وجوه هؤلاء الشباب الذين وقفوا في مجموعات صغيرة أمام المحكمة، يتبادلون القرارات ويتناقشون حول جدوى مواصلة المسار القضائي من عدمه.

فإلى جانب صدمة الإقصاء، وجدوا أنفسهم أمام أعباء مالية لم تكن في حسبانهم عندما قرروا خوض غمار الترشح.. وبين حساب تكاليف المحامين ومصاريف المحضرين القضائيين ورسوم الإجراءات المختلفة، تحولت المغامرة السياسية بالنسبة لبعضهم إلى عبء مالي حقيقي، على حد تعبيرهم.

أحد المترشحين الشباب، الذي رفض ملفه، تحدث لـ”الشروق” بنبرة حيرة، قائلا إنه لم يكن يتصور أن مجرد التفكير في الترشح سيكلفه مبلغا يتجاوز 10 ملايين سنتيم بين مصاريف إعداد الملف والإجراءات القانونية وأتعاب الدفاع.

وأضاف أنه دفع للمحضر القضائي نحو 5000 دينار مقابل إجراءات التبليغ، بل اضطر إلى نقله بسيارته الخاصة لإتمام بعض المهام المرتبطة بالملف، ليضيف: “لم أفهم إلى الآن سبب إقصائي، كل ما كنت أطمح إليه هو الترشح وتمثيل الحي الذي أنتمي إليه وخدمة سكانه، لكن وجدت نفسي أدفع أموالا للمحامين والمحضرين”.

المغتربون في رحلة البحث عن العودة

ولم يقتصر مشهد الطعون أمام المحكمة الإدارية على الشباب والمترشحين الجدد أو المنتخبين وأصحاب التجارب السياسية السابقة، بل امتد أيضا ليشمل عددا من أفراد الجالية الجزائرية بالخارج الذين شدوا الرحال خصيصا لمتابعة مصير ملفات ترشحهم والدفاع عنها أمام الجهات القضائية المختصة، حسب تعبيرهم.

وفي أروقة المحكمة ومحيطها، التقت “الشروق” بعدد من المترشحين المقيمين بالخارج، بعضهم قدم من فرنسا وأوروبا قبل أيام فقط من أجل استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بملفاتهم، والطعن في قرار الإقصاء، حيث اختلفت الأسباب التي استندت إليها قرارات الرفض من حالة إلى أخرى.

فهناك من اصطدم بعائق مرتبط بوضعية الخدمة الوطنية، وآخر وجد نفسه مستبعدا بسبب طبيعة نشاطه المهني في بلد الإقامة، فيما واجه آخرون مبررات مرتبطة بمقتضيات أخلقة الحياة السياسية.

ورغم اختلاف الحالات والملفات، إلا أن هؤلاء أكدوا على رغبتهم في مواصلة الإجراءات القانونية والمضي فيها.

ملفات 30 بالمائة من المترشحين مرفوضة

وحسب آخر الإحصائيات التي كشفت عنها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، فإن عدد المترشحين المرفوضين بلغ 3174 مترشح أي ما يمثل نسبة 30 بالمائة من مجموع المترشحين، في حين بلغت ملفات التصريح الجماعي للمترشحين داخل الوطن 788 ملفا بمجموع 10168 مترشح، أما عدد قوائم المترشحين المقبولة، فقد بلغت 77 قائمة، فيما تم رفض31 قائمة منها 16 قائمة بسبب عدم استيفاء العدد المطلوب قانونا لاستمارات التوقيع الفردي طبقا لنص المادة 202 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، المعدل والمتمم.

المادة 200.. سلطة الانتخابات توضح

من جهة أخرى، نفى رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كريم خلفان الثلاثاء، أن يكون سبب رفض بعض ملفات الترشح مرتبط فقط بالمادة 200 من قانون الانتخابات، موضحا أن قوائم كثيرة جدا رُفضت لأسباب أخرى تتعلق بعدم استيفاء الشروط القانونية والشكلية المنصوص عليها في القانون.

وأوضح كريم خلفان في تصريح للإذاعة الوطنية أن السلطة، عند دراسة الملفات، ملزمة باحترام جميع القواعد القانونية، مشيرا إلى أن عددا من حالات الرفض يعود إلى نقص التحضير والجاهزية، وربما حتى إلى غياب الجدية في بعض الأحيان.

وقال إنه من بين الحالات التي تم تسجيلها عدم احترام بعض القوائم لشرط تمثيل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، أو عدم احترام نسبة النساء أو نسبة حاملي الشهادات الجامعية داخل القوائم.

وأضاف أنه من أسباب الرفض أيضا وجود ديون جبائية على بعض المترشحين، أو عدم تقديم ما يثبت الوضعية تجاه الخدمة الوطنية، سواء وثيقة الإعفاء أو أداء الخدمة الوطنية، لافتا إلى أن بعض الملفات تضمنت وثائق غير مطابقة من حيث مدة الصلاحية.

كما أوضح أن تطبيق المادة 200 يتقاطع مع نتائج التحقيقات التأهيلية التي تقوم بها مؤسسات الدولة المختصة، وفيما يتعلق بالتوقيعات، أكد أن بعض الملفات رُفضت بسبب عدم استيفاء العدد المطلوب من الاستمارات.

مقالات ذات صلة