الرأي

“مكتوب” العرب بقراءة “كيري ـ لفروف”

حبيب راشدين
  • 2464
  • 10

أكثر من مؤشر يفيد بقرب الإعلان عن معاهدة جديدة تستدرك قسمة “سايك ـ بيكو” بأنامل الثنائي الجديد لقوة الاستكبار “كيري ـ لفروف” بنفس الأدوات الاستعمارية التي اعتمدها الثنائي الأول، وعلى نفس الرقعة الجغرافية الممتدة من البصرة جنوبا وحتى طرطوس شمالا في ما كان يسمى بالهلال الخصيب.

ولأن الثنائي الأول: الفرنسي جورج بيكو، والبريطاني مارك سايكس، احتاج إلى سبعة اشهر من التفاوض بعيدا عن الأضواء من نوفمبر 1915 حتى 16 ماي 1916 تاريخ التوقيع على المعاهدة، فإن الثنائي الجديد: كيري ـ لفروف قد دخل في مفاوضات سرية في خريف 2015 هي التي مررت التدخل العسكري الروسي بتاريخ 30 سبتمبر 2015 قبل أن تتكشف معالم الاتفاق بداية ربيع 2016، وكأن ثنائي الاستكبار الجديد كان ينتظر لحظة حصول “الاقتران الزمني” حتى يضمن وصول الرسالة إلى شعوب المنطقة من العرب والأعاجم.

وقبل بداية هذا الحراك، كانت الآلة الإعلامية الموجهة قد هيأت شعوب المنطقة بنشرٍ دوري ومكثف للخرائط الجديدة، هي في الواقع نسخ طبق الأصل للخرائط التي اشتغل عليها سايكس وبيكو، مع تغيير في الورثة ليس إلا، حيث يرث الأمريكي النفوذ في الجغرافية التي كانت تحت الهيمنة البريطانية، بينما سيرث قيصر الروس الفضاء الشامي من حصة فرنسا، ويعمل الثنائي الجديد على توليد “فضاء برزخي” عازل مدمر، يحاكي حدود ما سمي في المعاهدة الأولى بالمنطقة العربية A ( الموصل وحلب) يتطابق تماما مع الجغرافية التي سقطت اليوم بيد تنظيم “الدولة”، ويراد استعادتُها لصالح كيان هجين بلا هوية من “حركة الصحوات” غير مقلق لمشروع التقسيم الجديد، فيما يبقى الثابت في الخريطتين فضاء فلسطين المحتلة، الذي كان الغاية في التقسيم الأول، وهو اليوم على رأس انشغالات كيري ـ لفروف.

وافدٌ جديد يقف على عتبة حانوت حاملي الساطور: كيري ولفروف، متمثلا في الكيان الكردي المتولد بعسر، الغائب في التقسيم الأول، الحاضر بقوة في ذهن الروس والأمريكان، ككيان مُناول محتمل في مسار مشاغلة شعوب المنطقة لقرنٍ قادم، ربما بكفاءة أفضل من الكيان الصهيوني.

وبقدر ما كانت الحاجة عند الثنائي الأول إلى إبراز العنصر القومي العربي حتى تُنسي شعوب المنطقة إرث الخلافة الإسلامية العثمانية، فإن التدبير الجديد احتاج إلى “تخليق” خلافة افتراضية يُفترض أن تلحق بها الهزيمة حتى لا يذكر المسلمون رمزَها لقرن قادم، لأن الهزيمة التي يشتغل عليها الروس والأمريكان ليس لتنظيم إرهابي نُسب إليه لواء الخلافة، بل هي موجّهة بالأصالة إلى رمزية الخلافة.

بقي أن حظوظ الثنائي كيري ـ لفروف في كتابة “مستدرك” ناجح فعّال على مخطوطة “سايكس ـ بيكو” تبقى ضعيفة، تحتاج إلى قوى محلية شريكة تقبل بالمناولة من الداخل لمشروع التقسيم الجديد، الحاضر منها لتقبل الهبة: أكراد ينتظرون دولتهم الأولى، وشيعة يترقبون صاحب آخر زمنهم، وأتراك منشغلون بمقايضة لاجئي المأساة بتأشيرة إلى أرض النصارى، وحدهم عرب زمن “ويلٌ للعرب” لا أحد يرغب أن يبقى لهم ذكرٌ في خرائط المستقبل، لا كقومية ولسان، ولا كحملةٍ لحروف القرآن، وجودهم وحده هو في عين الغرب النصراني الصهيوني كيد صريح مستدام من الحي الديَّان.

مقالات ذات صلة