“ملائكة الرّحمة” في بيوت المسنّين والعجزة
“ربي يجعلكم تربحو دنيا وآخرة”، “الله يفتحها في وجهكم”… وغيرها الكثير من دعوات الخير بمنافع الدنيا والآخرة، لم تكف ألسنة المرضى كبار السن والمقعدين، ممن يجدون مشقة كبيرة في التنقل للمؤسسات الجوارية لتغيير الضمادات، القيام بالتحاليل الطبية أو حتى الخضوع لفحص طبي، عن ترديدها لوحدة العلاج المنزلي بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية القبة العناصر، لتتحول زيارتهم لحدث سعيد ينتظره المريض وعائلته. هو جانب مما عايشته “الشروق” خلال مرافقتهم يوما كاملا.
يبدأ العمل داخل وحدة العلاج المنزلي مبكرا، فعند وصولنا على الساعة الثامنة والنصف صباحا، وجدنا الممرضة رفقة الطبيب قد انتهيا من إعداد قائمة المرضى المعنيين بالزيارة، وكانا يعاودان الاتصال بذويهم لتأكيد الموعد.
وعن برنامجهم، تحكي لنا الممرضة بوقرن كريمة: نقوم بأخذ عينات الدم ونغير الضمادات كما يفحص الطبيب المرضى، حيث نبرمج في كل خرجة مابين 9 إلى 15 مريضا من الجنسين، بعد الإطلاع على ملفهم الطبي، يسجلون في قائمة المواعيد. واستطردت محدثتنا “هناك حالات تعودنا عليها ونتردد عليها باستمرار، ثلاث مرات في الأسبوع، الأحد، الثلاثاء والخميس”.
وأضافت ليسوا جميعا من كبار السن، فهناك صغار ومعاقون أيضا، فهم يشرفون على علاج فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة تبلغ من العمر19 سنة. وتتكون وحدة العلاج المنزلي من طبيب عام وممرضة، يحملان كافة التجهيزات الطبية، ويتنقلان داخل سيارة إسعاف.
الطبيب ملياني: نوفر العلاج المنزلي لغير القادرين على التنقل إلى العيادات
أوضح الطبيب العام ملياني نبيل، أن “العلاج المنزلي هو نفسه العلاج المقدم في العيادات متعددة الخدمات، وهو موجه للفئات العاجزة عن التنقل، ليشعر المريض ومحيطه براحة كبيرة، لكون غالبية الحالات مبتوري الأعضاء، أو يقيمون في الطابق العلوي، وممن لا يملكون سيارة. فخروجهم للعلاج سيسبب قلقا لهم ولعائلتهم ومحيطهم، فعند تنقلنا إليهم داخل منزلهم يشعرون بارتياح أكبر”.
استمر الطبيب والممرضة في تجهيز حقائبهم ومعداتهم، وشمل برنامج اليوم الذي صادف زيارتنا 8 حالات، وعندما حلت الساعة 9 صباحا اتجهنا رفقة الطاقم الطبي والمكلفة بالإعلام صوب سيارة الإسعاف، والتي كانت تنتظرنا في الخارج.
مصابة بالسرطان: هذا العلاج أراحنا من التنقل والانتظار الطويل
بدايتنا كانت من القبة من منزل السيدة “س، يمينة”، مصابة بالسرطان، أقعدها وأفقدها القدرة على السير، قادتنا ابنتها الصغرى لغرفة والدتها، كان يبدو عليها الإرهاق جراء الألم الشديد، تولت الممرضة أخذ العينات، بينما راح الطبيب يستفسر عن وضعها الصحي، فقد كانت تعاني من آلام شديدة، ولم تنم منذ ثلاثة أيام، وحتى مع تناولها “لامورفين” لم يفارقها الوجع.
ولما استفسرنا المريضة عن رأيها في العلاج المنزلي، ردت أنه “أمر جيد، خصوصا بالنسبة إلينا نحن المصابين بالسرطان، ارتحنا من التنقل والانتظار، هكذا أفضل، كما أننا لا نملك سيارة، فكيف سأتنقل وأنا ممدة !!؟ هذا مشكل كبير”.
العلاج المنزلي يشمل حتى أفراد العائلة الملازمين للمريض
لننتقل بعدها لمنزل العائلة “ع” في العافية، وبمجرد أن طرقنا الباب استقبلنا أفراد العائلة بعبارات الترحيب والفرح، حيث راح أطفال العائلة يسلمون على الطبيب، بينما ناداه أحدهم بعبارة صديقي وأخبره عن معدله ونتائجه في الفصل الأول، بينما أرشدتنا ابنتا المريضة المقيمتان برفقتها للغرفة، حيث تتواجد، كانت عجوزا تعلو وجهها ابتسامة رغم كل ما تعانيه من ألم ومرض، فهي مصابة بداء السكري، مبتورة الساقين وضريرة، وشرعت ابنتها التي ترعاها تتحدث إلينا عن أحوالهم، بعدها حان دور شقيقتها “ع،ك” للتحليل هي الأخرى، فلكونهما المسئولتين عن رعاية والدتهما، يشملهما العلاج المنزلي أيضا، حتى لا يتركانها بمفردها.
وكنا في كل مرة بعد أخذ الدم نعود للمؤسسة الاستشفائية لوضعها في المخبر، قبل أن نستكمل رحلتنا لتغيير الضمادات.
عائلات تستقبل الطاقم الطبي بالحلويات
وصلنا منزل عمي لخضر، بحي بلوزداد “رويسو”، مصاب بالسكري بترت ساقه، تحكي لنا زوجته والتي استقبلتنا بالحلويات التقليدية “المقروط القسنطيني” بأنه خضع لثلاث عمليات جراحية، اثنين منها باءتا بالفشل، ولولا فضل الله ثم العلاج المنزلي لازدادت حالته تدهورا. يقول الطبيب ملياني “بعدما بترت رجله تقربت جارته باحثة عن ممرضة لجارها، وشرحت لهم الوضعية، وكانت مرفقة بملفه الطبي، فتم تدوين اسمه، وبعد زيارات متعددة لاحظ الطاقم الطبي عدم تحسن حالته، فعاودوا إدخاله للمستشفى، حيث أجرى الجراحة، بعدها لاحظوا عظما يتدلى منه، فأخبروا المستشفى لكنهم طمأنوهم، إلا أن الطبيب ملياني جلب جراحا للمنزل لمعاينته، هذا الأخير أكد أنه جزء من العظم، ويلزمه جراحة أخرى، وبعد خروجه من المستشفى وحتى لا ينقلوه مرة أخرى للدويرة، ظل الطبيب على تواصل مع مختصين في المستشفى، وكان يرسل إليهم صور الجرح عبر “الفايبر”، وقد برأ جرحه وتحسنت حالته بشكل كبير، ولله الحمد”.
تواصل زوجة عمي لخضر “أنا أحبهم وأعزهم كثيرا، وأعتبرهم مثل أبنائي، هم يساعدونني في العناية بزوجي ورعايته، فأنا وحيدة ولا أملك أولاد”.
وفاة المرضى صدمة للطاقم الطبي المعالج
ومن الصعوبات التي تواجههم في عملهم، تخبرنا بوقرن كريمة، عندما نشرف على علاج إحدى الحالات لفترة طويلة، وبالرغم من علمنا بتدهور وضعيتها الصحية وأن احتمالات شفائها قليلة جدا، لكننا نصدم حقا عندما يتصل بنا أفراد عائلتهم صباحا، لينقلوا لنا خبر وفاتهم، من الصعب جدا تقبل الأمر، فصورتهم تظل عالقة في ذاكرتنا.
مريضة تحلم بتخصيص سيارة إسعاف لنقلها للمستشفى
وما لاحظناه في جولتنا هو الروح الإنسانية العالية التي يتمتع بها طاقم العلاج المنزلي، ومشاركتهم مرضاهم لجميع همومهم ومشاكلهم، وهو حال سيدة في السبعينات من العمر، تقطن بحسين داي، تعرضت لحادث سيارة منذ 18 شهرا في الشفة بولاية البليدة، أجريت لها عملية جراحية على مستوى الساق بمثبتات “بروش” خارجية، ليتفطنوا بعد ذلك لخطأ طبي، ويعيدوا إخضاعها لجراحة ثانية، لكن المشكل يكمن في تنقلها في كل مرة للشفة، مرة لإجراء التصوير الإشعاعي “راديو” ومرة للفحص الطبي، ونظرا لخطورة حالتها، لابد من نقلها على متن سيارة إسعاف خاصة تكلفتها مليون سنتيم، واستغرب الطبيب ملياني من عدم تخصيص سيارات إسعاف عمومية لنقل مثل هذه الحالات، فلابد من تخصيص سيارات الإسعاف الموجودة على مستوى البلديات لنقل المرضى العاجزين للمستشفيات.
وصرحت العجوز والدموع تنهمر من عينها، بأنها سئمت وتعبت من وضعيتها الراهنة، لكنها وبالرغم من كل شيء صابرة، وقد حاولت نقل ملفها الطبي لمستشفيات العاصمة، لكنهم رفضوا لوجود خطأ طبي، فالمسئولية تقع على عاتق مستشفى البليدة، وهو من يتابع وضعيتها الصحية.
الوحدة تقدم نصائح وإرشادات لعائلة المريض
ولا تكتفي وحدة العلاج المنزلي بالفحص ووصف العلاج فقط، بل تعمل على تقديم النصائح والمعلومات الطبية لعائلة المريض ومحيطه، كي يسهل عليهم التعامل معه، وهو ما حرصوا عليه في جولتهم، وخلال فحص “عمي إبراهيم” من حسين داي، فهو مصاب بسرطان النخاع الشوكي، ويعاني مؤخرا من صعوبات في التنفس، لتقتني له عائلته جهازا ساعدت الممرضة بوقرن كريمة ابنته على تركيبه وعلمتها طرق استخدامه. وكشف لنا الطبيب ملياني نبيل عن فحصه المرضى في المنزل المرة الأولى، وبعدها تحرص الممرضة على تغيير الضمادات، بينما هو يراقب الوضعية الصحية، وفي حال ظهور أي طارئ يعيد الكشف ويصف الأدوية إذا اقتضت الضرورة.
عائلات المرضى يسعون لتوسيع العلاج المنزلي وتطويره
وعن خدمة العلاج المنزلي، أبدى ابن عمي إبراهيم إعجابه الكبير بها، فهم يترددون على والده منذ قرابة شهرين، وعندما يتأخرون يقلق والده عنهم ويسألهم عن الطبيب، فهو يرتاح نفسيا عندما يشاهدهم وهم يقدمون خدمات طبية رفيعة ومجانية، فمثلا طلب منه الأطباء نزع الجلد الميت لوالده، لكنه لم يظفر بموعد في المستشفى فاتجه للخواص، وهناك أبلغوه أن تكلفتها 18 مليون سنتيم، وعليه جلبه صباحا على الساعة الثامنة، لكن بعدما تحدث إلى الطبيب والممرضة قاما بإزالته في المنزل وتطهير جرحه مجانا، وأضاف ابنه يتوجب تطوير العلاج المنزلي، كما لابد للضمان الاجتماعي من إدراج بعض متطلبات المريض، مثل الضمادات الخاصة بالتقرحات “ليسكار”، يقتنيها المريض بمفرده بأسعار باهظة، تتراوح مابين 700 إلى 1500 دج للواحدة، وهي غير قابلة للتعويض، والمصابون بداء السكري يتوجب عليهم تغييرها مرتين في اليوم، والأمر نفسه بالنسبة للأسرّة، سواء الهوائية أو المائية، فأسعارها تصل إلى 3 ملايين سنتيم.
ولم تكتمل رحلتنا إلا بزيارة “عمي لخضر” من القبة، يعد من أوائل المرضى الذين استفادوا من هذه الخدمة، فهو يعاني من ورم، ولأنه يكره الذهاب للعيادات الجوارية والمستشفيات، أصبحت وحدة العلاج المنزلي تترد عليه باستمرار لفحص جروحه وتغيير ضماده.
سائق سيارة الإسعاف: أنسى تعبي عندما أسمع دعوات المرضى
يحكي لنا سائق سيارة الإسعاف، حموش محمد، مرافق هذه الوحدة منذ إنشائها أي منذ حوالي سنة، والذي عبر عن أمنيته في تطوير هذه الخدمة المنزلية وتوسيعها أكثر، عن معاناته في الازدحام والطرقات، لكنه ينسى كل هذه الصعوبات عندما يسمع دعوة من مريض، فيشعر بالراحة وهذا ما يصبو إليه.
مديرة المؤسسة العمومية للصحة الجوارية القبة العناصر إيغولالن مالحة:
لا نمتلك الإمكانات المادية لكننا وفرنا العلاج المنزلي لـ 750 مريض
أكدت مديرة المؤسسة العمومية للصحة الجوارية القبة العناصر، إيغولالن مالحة، ضرورة تشجيع العلاج المنزلي وتطويره، فبإمكانهم العمل أكثر لو توافرت لديهم الإمكانات المادية على وجه التحديد، وسيلة نقل صغيرة، فسيارة الإسعاف استعملوها لغياب مركبة تنقلهم، ونظرا لكبر حجمها فهي تعيقهم لعدم توافر أماكن لركنها، لكنها كانت حريصة على تطبيق تعليمة الوزير، وهو أمر جيد خفف على المريض الذي ليس بإمكانه التنقل للمؤسسات الجوارية، بل هم من يذهب إليه، وهم وسعوها قليلا لتشمل أيضا حتى من لا يملكون الإمكانات المادية، فعندما جاءتهم التعليمة لم يكن لديهم سوى سيارتي إسعاف، لكنها كانت ترغب في تطبيقها، لذا عملت على إيجاد حل وسط كمسئولة الصحة لمقاطعة حسين داي باستخدام سيارة إسعاف.
أشرفنا على علاج 750 مريض في المنزل في ظرف عام
اعترفت المديرة أنه ليس من السهل الدخول لبيوت الجزائريين، لذا فكروا في جعل الطاقم يتكون من طبيب عام اجتماعي بطبعه وهادئ جدا، وممرضة، في البداية اختاروا المرضى من كبار السن، المقعدين وأصحاب الأمراض المزمنة الأكثر ترددا على المؤسسة الصحية، ثم نشروا نداء على مواقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” حتى يتقدم المرضى المقيمون في حسين داي، القبة، المقرية وبلوزداد، الراغبون في الاستفادة من هذه الخدمة من مؤسستهم الصحية لتسجيل بياناتهم، حتى يستفيدوا من العلاج في الأيام المخصصة لذلك.
وذكرت المديرة أن العلاج يتم على مدار اليوم، من الثامنة صباحا للرابعة مساء وأحيانا حتى الثامنة ليلا، حسب عدد الحالات المبرمجة، فأحيانا يتدخلون لنقله للمستشفى، وعن عدد الحالات التي أشرفوا على علاجها في المنزل، أوضحت المتحدثة تراوحها ما بين 700 إلى 750 حالة في ظرف سنة.
نسعى لتوفير هذا العلاج على مدار الأسبوع وفي أيام العطل
أكدت المتحدثة رغبتها في برمجة زيارات العلاج المنزلي طيلة أيام الأسبوع، حتى يومي الجمعة والسبت، وأيام العطل الدينية والوطنية، وتزاول الوحدة مهامها على مدار 24 ساعة، خصوصا إذا ما توافرت لديهم سيارة. وكشفت المديرة على التحاق طبيبة نفسانية بالفرقة بداية من مطلع السنة القادمة.
وصرحت المديرة أن العلاج المنزلي لا يكلف المؤسسة العمومية شيئا، بل القليل من البنزين والضمادات، وهي متوافرة بكثرة في العيادات، لكنها تريح العديد من المرضى، كونهم يستغرقون وقتا أطول داخل قاعة الفحص والكشف، ودعت محدثتنا لضرورة تعميم هذا العلاج على جميع العيادات الجوارية، خصوصا في المناطق النائية والداخلية والجبال والمداشر، فسيضيف الكثير للصحة العمومية.



