منوعات
واجهن العساكر بالحجارة فقط يوم حرق قرية عكريش بباتنة

ملحمة استشهاد 4 أوراسيات بعد 19 يوما من اندلاع الثورة

صالح سعودي
  • 937
  • 0

لا يزال سكان شناورة بباتنة يتذكرون يوم 19 نوفمبر 1954، وهو اليوم الذي أحرقت فيه قرية عكريش بباتنة وقرى ومداشر مجاورة مثل حنبلة وبوستة التي كانت معقلا للثورة والثوار، ومكانا آمنا وظفه الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد لعقد اجتماعات حاسمة خلال مرحلة الحركة السرية وقبل وخلال اندلاع الثورة التحريرية. وقد وقعت مجزرة عكريش إثر الهجوم الهمجي لعساكر الاستعمار الفرنسي بعد مضي 19 يوما فقط عن اندلاع الثورة التحريرية، في مشهد جمع بين الصمود والشجاعة، بقيادة 4 بطلات من حرائر الأوراس اللائي فضّلن مواجهة الرصاص بشجاعة، فاستُشهدن في ميدان الشرف، ويتعلق الأمر بكل من منصورة بوستة وجمعة بوستة وفاطمة جغروري وفاطمة برحايل.
عرفت قرية عكريش التابعة لبلدية تكوت بباتنة، مجزرة بشعة ممزوجة بملحمة حقيقية من أوراسيات رفضن القهر والعدوان، كان ذلك بعد مضي 19 يوما فقط عن اندلاع ثورة التحرير. ملحمة كُتبت بدماء حرائر قرية عكريش بتكوت، قدّمن حياتهن فداء للوطن، وكن في طليعة شهيدات الثورة، وذلك بعد معركة ضارية غير متكافئة. سيدات بصدور عارية وضباط بأسلحة رشاشة حديثة متطورة. ويؤكد المساهمون في تأليف “شهداء بلدية تكوت”، بأن معركة عكريش قضى خلالها المستعمِر يوما كاملا في إحراق البيوت والمداشر والقلاع المجاورة، مثل حمبلة وبوستة، كما قنبلت الطائرات المنطقة، مع ترحيل السكان نحو شناورة.
وقد عرف يوم حرق عكريش استشهاد 4 بطلات واجهن عساكر الاستعمار بشجاعة، ولقنّه درسا في البسالة والصمود، وفضّلن منح زهرة شبابهن فداء للوطن، وهن منصورة بوستة المولودة (من مواليد 1890)، وجمعة بوستة المولودة في 1922 (حمل في شهرها السابع)، وفاطمة جغروري المولودة في 1927، وفاطمة برحايل، وهي أصغرهن (من مواليد 1938) وكانت حاملا في شهرها التاسع، ورضيعة من عائلة سنوسي.. ويصف المجاهد بلقاسم برحايل في كتابه حول الشهيد حسين برحايل الواقعة بـ”معركة النساء”، مبرزا الدور الكبير للمرأة في الأوراس خلال الثورة التحريرية، فكانت عند واجبها، من حيث دورها في البيت والعائلة والاحتفاظ بشخصيتها الأصيلة، وهو الأمر الذي ينطبق على ملحمة عكريش التي قال عنها: “بطلات واجهن عساكر الاستعمار الظالم بالحجارة، وواصلن الضرب بالحجارة حتى أطلقت الرشاشات نيرانها، فسقطت الشهيدة الأولى والثانية والثالثة والرابعة وذلك يوم 19 نوفمبر 1954.

اندلاع الثورة أغضب فرنسا وأفقدها توازنها
خلّف تفجير الثورة غضبا واسعا وسط الإدارة الفرنسية التي لم تتوقع أن تتلقى ضربات موجعة في وقت واحد يوم الفاتح نوفمبر 1954، ما جعلها تتخذ عدة أساليب عدائية وتشويشية، ولعل أبرزها ما حدث بعد حرق قرية عكريش وأماكن أخرى أياما قليلة بعد تفجير الثورة، إذ يؤكد الأستاذ عبد الكريم رحماني في حديثه مع “الشروق”، بأنه بعد نجاح العمليات الأولى للثورة التحريرية في منطقة تكوت، خاصة حادثة تاغيت التي روجت لها فرنسا إعلاميا لتشويش غايات وأهداف الثورة، فقد قامت فرنسا بعملية تمشيط واسعة في المنطقة، مستعملة طاقات بشرية ومادية كبيرة امتدت إلى منطقة عكريش. وحسب محدثنا، فقد اجتمع قادة الثورة من بينهم الشهيدان مصطفى بن بولعيد وشيحاني بشير والمجاهد مصطفى بوستة لتقييم أحداث بداية الثورة. وبعد وصول قوات المستدمِر إلى المنطقة واجههم جيش التحرير الوطني في معركة بطولية شارك فيها ستة أفواج بقيادة الأبطال مختاري مسعود بن الحاج وبادسي العايش وأحمد بن عمار بنشوري وبادسي وبوخلوف محمد الصغير.. وأضاف أن العدو الفرنسي خسائر مادية وبشرية فاقت 20 قتيلا وجريحا. وقال الأستاذ عبد الكريم رحماني: “وفي هذه المعركة سقطت الشهيدات الأربع (بوستة منصورة وبوستة جمعة وبرحايل فاطمة وجغروري فاطمة) ومعهن الطفلة الرضيعة سنوسي مباركة بنت محمود. وفي جانب المجاهدين فقد جُرح المجاهد ڨادة عمار. أما المداشر والقرى التي وقعت فيها المعركة فهي بوستة وحنبلة وعكريش التي أحرقت وهُجّر سكانها إلى قرية شناورة بعد اعتقال 19 رجلا وخمس نساء، وسجنهم في تكوت” .

ليلة الرعب والصمود وانتفاضة اللبؤات
يعد الأستاذ مصطفى جغروري من الذين عايشوا واقعة عكريش، والعدوان الذي تعرض له بعض سكان المنطقة من طرف عساكر الجيش الفرنسي، والدرس الذي لقوه من بطلات عكريش، يقول في هذا الجانب: “سرى إلينا ليلا مع فرنسيين اثنين وعميل مثله، قصد منزلنا أول الأمر وبدأ يقول أمام الباب: افتحوا فنحن جنود نريد بعض الكسرة”، لكن لا أحد ردّ عليه، فعالج الباب وأي باب، فهو عبارة عن لوحتين غير متساويتين يدخل من تحتهما القط، ومن فوق بإمكان أي كان أن يمرّر يده بسهولة. وذاك ما فعله الخبيث الذي أدخل يده وعصى، وحرك الخشبة التي كنا نسند بها الباب، فسقطت واقتحموا الدار، فكان أول من صادفهم جدتي، رفسوها وضربوها، عضّت أحدهم فسقط نابها، أسقطوها وتوغلوا في المنزل فوجدوا عمي الأصغر، وهو مراهق، فأشبعوه ضربا. ولما سمعتُ صياحه وصياح جدتي لم أفهم ماذا حدث. أخذت في الصياح وبأعلى صوتي بعدما لففت حول نفسي برنوسي الصغير ووضعت القلنسوة على رأسي، لما وصلني أحدهم وأراد أن يكشف عن وجهي وينزع لفة البرنوس عن قدمي لم يستطع فضربني بمؤخرة بندقيته وتركني وقد ملأت المنزل صياحا، وزوجة أبي دخلت في وسط الماعز وغطت نفسها بوشاح أسود (هغباريث)، فلم يميزوا بينها وبين العنيزات”.
ويضيف الأستاذ مصطفى جغروري في سرده للمشهد المأساوي قائلا: “لما خاب أملهم خرجوا من عندنا فارغي الأيدي، لكن تركونا تحت أثر الصدمة، ودخلوا على عمي عبد الله المناضل الذي لا يشق له غبار وابن الشهيد الذي لا ينكر أحد نضاله، فحاولوا إخراجه من المنزل، ربما حتى يلفقوا له تهمة أنهم وجدوه مع المجاهدين، وبذلك يتسنّى لهم قتله بهذه الذريعة، إلا أنه قاومهم مقاومة شديدة، وركز قدمه على عتبة الباب، وهي عالية حتى لا تدخل مياه الأمطار إلى المنزل، فعجزوا عن إخراجه. وفي هذا الموقف انتفضت الشاويات الأوراسيات، أختاه وزوجته فأخذن يقتلعن أعمدة من زريبة الماعز وانهلن عليهم بالضرب، فحرّرنه من قبضة الأوغاد. ولما اشتدّ ألمهم هربوا إلى الخارج حتى أن أحدهم ترك سلاحه مسندا على الحائط لما كان يصارع عمي عبد الله، فرجع بسرعة وأخذه بعد أن ذاق ضربات موجعة. وهنا اتخذوا قرارا خطيرا هو أن يقتلوا عمي عبد الله في عقر داره وأمام أعين أختيه وزوجته وأمه، لكن اللبؤات كن بالمرصاد، فلما وجّه أولهم بندقيته صوب عمي عبد الله إذا بإحداهن ترفع ماسورة السلاح نحو السقف وتستقرّ هناك، وحاول الثاني ففعلت إحداهن كالأولى، وانهمرت عليهم ضربات العصي ففروا لا يلوون على شيء وهم يجرُّون وراءهم أذيال الخزي والعار”.

رصاصات المجاهدين جنّبت عملية حرق رجال القرية وهم أحياء
والظاهر أن رد فعل البطلات الأوراسيات كان له وقعه في نفسية العساكر الفرنسيين، وهذا بعد الدرس الذي لقوه من طرف نساء دافعن عن كرامتهن وكرامة أهلهن، ما زاد من حدة الحقد والكراهية بعد الدرس الذي تلقوه في ليلة ليست ككل الليالي، بدليل أنه مع بزوغ الفجر حاصر الاستعمار قرية عكريش ومناطق مجاورة، قبل أن يشرع في أعماله الدنيئة المبنية على التعذيب والقتل والحرق والتخريب… يقول الأستاذ مصطفى جغروري وهو الذي كان شاهدا على ما جرى بذاكرة طفولية (كان عمره نحو 5 سنوات): “لما وصل الفرنسيون، جمعوا كل سكان عكريش قرب ديار أخوالي، ثم صعدوا بهم إلى القلعة والمنازل تحترق من ورائهم، والحيوانات تفر وتتصايح، وقد أدخلوا الرجال داخل القلعة، وكانوا ينوون حرقهم أحياء والنساء والأطفال حولهم. وفجأة رماهم المجاهدون بالرصاص فارتبكوا وانبطحوا وأصيبوا بالرُّعب، ثم تجمّعوا وأطلقوا سراح النساء والأطفال، وساقوا الرجال إلى شناورة، فأسرعت النساء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكن دون جدوى”. ويضيف الأستاذ مصطفى جغروري في وصف المشهد قائلا: “تشاء الأقدار ألا يحترق منزلنا ومنزل عمي المبارك بن محمد، فأمرت جدتي فاطمة النساء بتحضير الطعام للحاضرين لأنهم كانوا يتضورون جوعا، وفي الوقت ذاته كان الشباب والشابات يجرون وراء الحيوانات الهائمة فأعادوها إلى زرائبها”.

هكذا أحرِقت عكريش
ويخلّص الأستاذ مصطفى جغروري إلى القول: “كلّ ما أذكره من ذلك اليوم أني رأيت الدخان يتصاعد من القلعة، ولما عدنا إلى الحارة كنت أدور فوق دار أعمامي أولاد الحواس، وإذا بنصف الدار يسقط، فبقيت أتفرّج في الجمر من تحتي وإذا بيد تجذب يدي بالقوة وتبعدني، ثم نادت جدتي أختها تطلب منها بعض التمر، فأوصلته إليها ثم طلبته مرة ثانية، وفي هذه الأثناء وصل خبر استشهاد الشهيدات الأربع في حمبلة. وفي اليوم الثاني عاد الفرنسيون وأحرقوا ما بقي من المنازل ورحَّلوا الجميع إلى شناورة عنوة، واتخذوها محتشدا لنا”.
ويؤكد المجاهد بلقاسم برحايل بأن همجية عساكر الاستدمار الفرنسي بدأت بتخريب القرية والقلاع والبيوت، والاستيلاء وتمزيق كل شيء. وبعد حرق القرية هجّرهم المستعمرون إلى قرية شناورة التي تتألف من بيوت حجرية ومظلمة بعضها ملتصق ببعض، إذ يتكون البيت من حجرة واحدة يتكدس فيها الناس، وأضاف المجاهد بلقاسم برحايل في وصفه للوضع السائد مع اندلاع الثورة في المنطقة: “ماذا تفعل الأم التي لا حول لها ولا قوة، وندخل إلى البيت ونجد هذه المرأة عليها آثار البؤس والشقاء من الاستعمار الفرنسي الغاصب، ونحن المجاهدين ماذا نفعل لهذه المرأة، وماذا نشتري لأطفالها، وقد أغلق الاستعمار كل الأبواب؟”.
ويؤكد المجاهد برحايل أن المرأة الريفية قاست ما قاست، فكلما ترى الجيش الفرنسي قادم إلى القرية، فتقول لمعشر النساء: قد جاء الجيش الفرنسي فاخرجن من بيوتكنّ إلى الساحة، واجعلن على وجهكن الرماد، وبخصوص حرق القرى، فقد أكد برحايل بأن الأمر لم يتوقف على عكريش، بل شهد مناطق أخرى وقف عليها في مشهد مماثل في إينوغيسن، إذ جاء الاستعمار الفرنسي بالطائرات لتطلق الرصاص على القرية لكي تثير الهلع في نفوس الأطفال والنساء والشيوخ. أما في قرية عين الكبش فقد أحرقتها ودمّرتها ليلا بالمدافع. وختم كلامه بالقول إن تاريخ الثورة الجزائرية يشهد على دور المرأة الأوراسية، كدليل على تعلقها المتين بأرضها ووطنها، وعن تضحياتها في سبيل حريتها واستقلالها.

ملحمة عكريش وحادثة تاغيت أرغمت ميتران على زيارة تكوت
وخلفت الهجومات التي شهدتها مختلف مناطق الأوراس خلال الشهر الأول من ثورة التحرير ردود أفعال سريعة لدى الإدارة الاستدمارية الفرنسية، بدليل الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران الذي لم يتوان عن شدِّ الرحال أيضا إلى منطقة تكُّوت قادما إليها من بلدة مشونش شمال بسكرة، حدث ذلك نهاية شهر نوفمبر 1954، أي بعد نحو 10 أيام عن ملحمة عكريش، وبعد نحو شهر عن عمليتي تاغيت ولقصر اللتين وقعتا موازاة مع الهجومات والعمليات العديدة التي عرفتها مختلف مدن وقرى الأوراس الكبير، مثل خنشلة وتبسة وباتنة وبسكرة وغيرها. وحسب الأستاذ عبد الكريم رحماني فقد تفقّد ميتران فرقة المظليين ومركز “الجندرمة ” بتكّوت، وألقى كلمة حاول فيها التخفيف من روع عساكره، هلع عبّرت عنه زوجة أحد الدركيين في تصريح لها عن تلك الأحداث، ويضيف الأستاذ عبد الكريم رحماني: “غادر ميتران تكّوت نهاية زيارته، لكن شرارة الثورة لم تنته مثلما كان يتوعَّد ويتمنَّى، بدليل استمرار المعارك بالمنطقة، على غرار معركة لقصر وجار الله وآمان إيملالن.. معارك استمرَّت وتوالت حتى فجر الاستقلال، بعد أن قدَّمت منطقة تكُّوت أزيد من أربعمئة شهيد، وهو مثال يعكس حجم التضحيات المقدمة في الأوراس الكبير ومختلف ربوع الوطن”.
ومعلوم أن قرية شناورة بقراها ومداشرها تعدُّ واحدة من المناطق التي صنعت التميز خلال الثورة التحريرية بالأوراس. وعلاوة عن تلبية أبنائها نداءَ الوطن منذ الفاتح نوفمبر 1954، من مجاهدين ومناضلين ومسبّلين، فإنها دعمت الثورة بقياديين ثوريين بارزين، على غرار مصطفى بوستة، وهو أحد نواب البطل مصطفى بن بولعيد وأمين سر الثورة، والصادق جغروري الذي يصفه الكثير بـ”فارس الصحراء”، بحكم أنه كان وراء تجنيد وهندسة الثورة في بسكرة وما جاورها، والكلام ينطبق أيضا على الشهيد البطل حسين برحايل الذي كان قائد مجموعة متمردي الشرف، أو الخارجين عن القانون، الذين خرجوا على فرنسا منذ نهاية الأربعينيات، مباشرة بعد مجازر 8 ماي 1945. مجموعة تشكّلت من خيرة القنّاصين المسلَّحين في تلك الفترة، قاصدين الجبال ملاذا لهم، مثل الصادق شبشوب وزوجته فاطمة لوصيف وقرين بلقاسم ومسعود بن زلماط الثاني ودرنوني علي وحسوني رمضان وغيرهم، وكان أصغرهم المجاهد الراحل أحمد قادة، وقد وضعوا خبرتهم تحت تصرُّف البطل مصطفى بن بولعيد لتأطير وتدريب المجاهدين في الأيام التي سبقت تفجير الثورة التحريرية بالأوراس.

مقالات ذات صلة