ملفات ثقيلة أمام ثورات الشعوب
انتصر الشعب في مصر وتونس في عمليته الفدائية الجماعية باسقاط النظام وهو على طريق الانتصار في ليبيا واليمن وبلدان اخرى، وان هذا العمل على اهميته وجلالة قدره يعتبر الجزء الاول من العملية، ويبقى ان تتقدم الثورات نحو معالجة الملفات الثقيلة التي تراكمت بسبب سياسات الانظمة المستبدة المخلوعة.
- وبقدر ما يجتاح الفرح قلوب شعوب الامة مشرقا ومغربا بالانتصارات المدوية والعظيمة التي انجزتها في جولتها الاولى، الا ان يقظة حذرة وانتباها بالغا يسكنان الوعي في هذه المرحلة، فهناك سنوات طويلة من السياسات الفاسدة في كل شيء في التعليم والاقتصاد والثقافة والاعلام والسياسة.. فلقد نشأ عن سلوك الانظمة الفاسدة دين آخر ومجتمع آخر و ثقافة وتاريخ وحياة ليس لها علاقة بانتماء الناس ولا آمالهم في حياة كريمة حرة.
- وعلى الثورات ان تجيب على الاسئلة المعقدة على الصعيد الداخلي، وهذا هو الامتحان العسير والفاحص الحقيقي لجملة الافكار والرؤى، وفيما ستواصل الثورات معالجاتها سيقف العالم ينتظر متوجسا او مشككا او متأملا.. وعلى طوال مرحلة المعالجة ستواجه الثورات محاولات اختراق عديدة من قبل قوى الردة في الداخل والقوى الاستحواذية في الخارج.. صحيح أن النظام قد انهار وتفككت مؤسساته الا ان عناصره تنتشر في اوساط المجتمع تعتبر خلايا نائمة تبث الاشاعة وتقوم بالتشكيك المتواصل والتخريب متى وجدت الى ذلك سبيلا.. وتتمثل الصعوبة في التعامل مع هذه الخلايا النائمة كونها تصطدم بالحقوق العامة في الحريات الشخصية.. كما ان هناك طبقات وفئات قوى اجتماعية وثقافية ستجد في برامج الثورة تهديدا واقعيا لمصالحها، الامر الذي سيدفعها إلى تعطيل حركة التقدم في برامج الثورة.. وهنا تصبح الثورة معنية تماما بتقديم الحلول على اكثر من اتجاه، فهناك حلول عاجلة يجب انجازها سريعا كي يشعر الناس بتغير الاحوال وتمنح الناس تفاؤلا كافيا لاستمرار التحشد خلف مبادئ الثورة، كما ان عليها العمل من اجل انجاز اهداف استراتيجية ومشاريع كبرى تحقق القضاء على البطالة والهامشية والتبعية الغذائية والاقتصادية.. وعلى خط ثالث يجب ان تنبه الثورة للطابور الخامس الذي لن ييأس من عملية حرف الثورة واختراقها وجذب بعض قواها نحو المكتسبات الرخيصة..
- وبالتأكيد ستجد الثورة ضرورة استمرارها في محاربة النمط السياسي الاداري في تنصيب الحاكم والمؤسسات العليا ومواقع السيادة.. بمعنى ان يكون حضور الشعب قائما فاعلا مراقبا لحركة الحكومة والمؤسسة، الامر الذي لو لم يحصل فقد يهدد ذلك وجود الحركة نفسه اذن لابد من التواصل في العمل الرقابي اليقظ لكي تضمن رسوخ نظرية و عملية التداول على السلطة بشكل شفاف.
- وهنا ينبغي ان لايظل التفكير رهينا بعملية التداول على السلطة وما تفرزه من تنافس حزبي وتعدد في وسائل الاعلام ومنابر الرأي، لأن ذلك يعني بوضوح اننا سنغرق في احد الملفات التي لن نجد مبررا لها ان نحن فقدنا الحضور الحقيقي في ملفات اخرى.
- ان المصانع والمعامل ومؤسسات الشغل والمعاهد والجامعات تشهد مظالم كبيرة في الرواتب والتعيينات المغشوشة، الامر الذي انشأ مظالم متراكمة، وهذا يستدعي حلولا علمية منطقية تنهي الغبن وتعيد توزيع الثروة وترفع من شأن الانسان، فلا يعقل ان يكون مدير المؤسسة يتقاضى راتبا يزيد عن راتب الموظف في المؤسسة بمعدل الف الى واحد او اكثر.. وعلى هذا الصعيد ينتظر الناس صيغا محقة قريبا بل عاجلا..
- هذا ويجب ان تكون المصانع والمزارع والمؤسسات خاضعة لفلسفة جديدة وروح جديدة تكمن مهمتها في القضاء على التبعية والاحتياج للخارج سيما في عناوين تخص الغذاء والاحتياجات الاساسية التي يمكن ان تجد فرص توفيرها في البلاد.. وهنا تقوم الفلسفة على اعتبار الاستفادة من كل الموارد الذاتية واغلاق الطريق على طابور الربح السريع المعتمد على الاستيراد..
- ان اعادة الاعتبار للزراعة المحلية والقيام بتطويرها حسب ارقى المواصفات يعني ان البلاد تعمل على تنظيم اشيائها في معادلة النهضة، فلا يجوز ان تغفل سلعا اساسية وتاريخية وذات سمعة عالمية كالقطن المصري طويل التيلة الذي وقع تحت طائلة المؤامرة كما كل شيء حقيقي، ولكي تثري حاشيةُ النظام واقرباؤه دمرت الزراعة، لسيما زراعة القطن وسواه من المنتوجات الاساسية..
- والكلام نفسه ينسحب على الصناعة والمعامل وكل ذلك يعني ان مرحلة جديدة مختلفة تمام عن المراحل السابقة، فلا يعقل ان تظل اسواقنا مكبا لنفايات الآخرين ولمنتوجاتهم الضرورية وغير الضرورية ويتم في ظل ذلك تدمير البنية التحتية للصناعة في بلداننا كما حصل في مصر.. فلقد كانت مصر قبل هذا النظام تتمتع ببنية تحتية للصناعة مهمة وبعد سياسات ممنهجة تم تدمير كل شيء وبيع ماتبقى لعصابات مشبوهة مرتبطة بقوى خارجية.
- ان هناك عناوين كثيرة ملحة للبدء في تناولها لكي تظهر ثمار الثورة سريعا ويجد الثوار اليوم انهم معنيون بها وهي لاتتعلق فقط بالعناوين الكبيرة التي تحتاج اشهرا او سنينا، بل هي التي لاتحتاج سوى إرادة ومبادرة وقرارات سريعة حينذاك يتحرك الناس في قوة دفعهم وهم يرون ثمرات نضالهم.
- لابد من مواجهة كل ملفات الوضع الداخلي بعلم وواقعية، وهذا وحده الذي يؤهل البلد إلى مواجهة ملفات الدور والمهمة الاقليمية التي فقدتها دولنا الحيوية في ظل تلك القيادات النكدة الجاهلة.
- على الصعيد الخارجي تقف مصر امام ملفات جسيمة؛ ملف القضية الفلسطينية الذي هو ملف مصري من جهة ما، وهو بوابة الامن القومي المصري، وملف السودان حيث العمق الجغرافي والاستراتيجي حيث النيل وما يتم عليه من مؤامرات، وملف القرن الافريقي وما تحاوله اسرائيل في السيطرة على باب المندب والاضرار بقناة السويس كمكون استراتيجي للدخل الاقتصادي المصري.. وامامها الملف الليبي ومايمثله من تحد كظهير للموقف المصري، وامامها ملف الخليج واالعراق وما ينتاب المنطقة من قلق..
- انه لن يكون سهلا التقدم من هذه الملفات ولايعقل ان تطرح الثورة حلولا نهائية من اليوم الاول وان اي عاقل لايقبل ان ترفع الثورة شعارات اكبر من طول ذراعها، ولعل كثيرين يعملون لاستفزاز الثورات العربية للتقدم الى مهلكتها.. وهنا نصبح اسارى منطق الشعارات وليس منطق الفعل الصالح المفيد..
- إن الموقف من إسرائيل يحتاج الى تطور يترافق مع تطور علاج الملفات الداخلية ويعتمد اسلوبا متسلحا بقوانين الشرعية الدولية وحقوق الانسان وشيئا فشيئا يتطور الموقف دونما احداث استعداء عالمي منذ اللحظات الاولى..
- انها معركة الحياة تفتح ابوابها جميعا مشرعة على الثورة والامر يحتاج حكمة وعلما ووعيا ونباهة.. وقبل ذلك وبعده توفيق الله .